الملخص التنفيذي
تشهد الساحة الليبية تطورًا سياسيًا مهمًا يتمثل في التوافق الذي أُعلن بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي بشأن خارطة طريق جديدة تستهدف إنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة منذ سنوات، والوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل 17 فبراير 2027. ويأتي هذا التوافق في ظل حالة من الإرهاق السياسي والمؤسسي التي أصابت مختلف الأطراف الليبية بعد أكثر من عقد من الانقسام والصراع، وفي وقت تتزايد فيه الضغوط والتحركات الدولية الرامية إلى إعادة تنشيط العملية السياسية وتوحيد المؤسسات الليبية ودعم الاستقرار الاقتصادي والأمني.
يمثل هذا المسار فرصة مهمة لإعادة بناء الشرعية السياسية وإنهاء حالة الازدواج المؤسسي التي طبعت المشهد الليبي خلال السنوات الماضية، غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن الانتقال من مرحلة التوافقات السياسية إلى مرحلة التنفيذ العملي ظل يمثل الحلقة الأضعف في مختلف المبادرات التي شهدتها ليبيا منذ عام 2011. فبينما نجحت أطراف ليبية عديدة في التوصل إلى تفاهمات واتفاقات متعددة، تعثرت معظمها عند اختبار التنفيذ نتيجة استمرار الانقسام العسكري، وتضارب مصالح النخب السياسية، وتعقيدات المشهد الأمني، والتدخلات الخارجية المتشابكة.
تنبع أهمية هذا الإنذار المبكر من أن تعثر خارطة طريق 2027 لن يقتصر تأثيره على الداخل الليبي فقط، بل قد يمتد إلى محيطه الإقليمي بصورة مباشرة، سواء من خلال تداعياته على أمن الحدود، أو الهجرة غير النظامية، أو نشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة، أو أمن الطاقة في البحر المتوسط، أو التوازنات الأمنية في شمال أفريقيا. ومن ثم، فإن مراقبة مسار تنفيذ خارطة الطريق خلال الأشهر المقبلة تمثل أولوية استراتيجية لدول الجوار والقوى الدولية المعنية بالاستقرار الإقليمي.
تشير القراءة الحالية للمعطيات إلى أن فرص استمرار العملية السياسية ما تزال قائمة، غير أن مخاطر التعثر خلال مرحلة التنفيذ تبدو مرتفعة، خاصة في ظل بقاء الملفات الخلافية الأساسية دون تسوية نهائية، الأمر الذي يجعل الفترة الممتدة حتى نهاية عام 2026 بمثابة الاختبار الحقيقي لمدى قدرة الأطراف الليبية على تحويل التوافقات المعلنة إلى واقع سياسي ومؤسسي مستدام.
أولًا: خلفية وسياق التطورات الأخيرة
منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، دخلت ليبيا في مرحلة انتقالية طويلة اتسمت بتفكك مؤسسات الدولة وتعدد مراكز النفوذ السياسي والعسكري. ومع تعثر عملية بناء المؤسسات الوطنية الجامعة، تصاعدت الانقسامات السياسية والمناطقية، وصولًا إلى الانقسام الحاد الذي أعقب انتخابات عام 2014، والذي أسفر عن ظهور سلطات متنافسة ومؤسسات موازية في شرق البلاد وغربها.
وخلال السنوات اللاحقة، شهدت ليبيا سلسلة من المبادرات السياسية الهادفة إلى إنهاء الانقسام وإعادة بناء المؤسسات، من بينها اتفاق الصخيرات عام 2015، ومؤتمر برلين، ومسارات الحوار التي رعتها الأمم المتحدة، ومنتدى الحوار السياسي الليبي، إضافة إلى الجهود المتعددة الهادفة إلى تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية. إلا أن معظم هذه المبادرات واجهت صعوبات كبيرة حالت دون تحقيق أهدافها النهائية.
وكان تعثر الانتخابات المقررة في ديسمبر 2021 نقطة تحول مهمة كشفت حجم التباينات السياسية والقانونية بين الأطراف الليبية، خاصة فيما يتعلق بالقاعدة الدستورية وشروط الترشح وصلاحيات المؤسسات المنتخبة ومستقبل التوازنات القائمة بين القوى المختلفة.
وفي هذا السياق، برز خلال يونيو 2026 توافق جديد بين رؤساء المؤسسات السياسية الرئيسية في ليبيا تضمن اعتماد وثيقة مبادئ وخارطة طريق تستهدف تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل 17 فبراير 2027، والعمل على توحيد المؤسسات السيادية والإدارية والمالية، وتطوير آليات للإشراف على تنفيذ هذا المسار.
ويكتسب هذا التوافق أهمية خاصة لكونه يأتي بعد سنوات من الجمود السياسي، كما يتزامن مع اهتمام دولي متزايد بإعادة تنشيط الملف الليبي، خاصة من جانب الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الساعية إلى تعزيز الاستقرار وضمان استمرار تدفقات الطاقة والحد من المخاطر الأمنية المرتبطة بالهجرة والإرهاب.
ورغم هذه المعطيات الإيجابية، فإن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية تشير إلى أن التوافق السياسي وحده لا يكفي لضمان نجاح أي مسار انتقالي، وهو ما يجعل تقييم احتمالات التعثر ضرورة أساسية لفهم مستقبل المشهد الليبي خلال المرحلة المقبلة.
ثانيًا: المؤشرات الداعمة لاحتمالية تعثر خارطة الطريق
1- استمرار الانقسام العسكري والأمني
لا تزال المؤسسات العسكرية والأمنية الليبية تعاني من حالة انقسام واضحة بين مراكز نفوذ متعددة، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات أمام تنفيذ أي عملية سياسية شاملة. فنجاح الانتخابات يتطلب بيئة أمنية مستقرة، وضمانات فعلية لحماية العملية الانتخابية وقبول نتائجها من مختلف الأطراف.
وفي ظل استمرار تعدد مراكز القوة المسلحة وتباين الولاءات السياسية والعسكرية، تبقى احتمالات التوتر قائمة في حال نشوء خلافات حول ترتيبات الانتخابات أو نتائجها أو آليات تنفيذها.
2- تضارب مصالح النخب السياسية والاقتصادية
أفرزت سنوات الانقسام الطويلة شبكات واسعة من المصالح السياسية والاقتصادية المرتبطة باستمرار الوضع القائم. وقد استفادت بعض النخب من حالة الانقسام المؤسسي عبر السيطرة على موارد مالية وإدارية ومواقع نفوذ محلية ووطنية. وفي حال رأت هذه الأطراف أن الانتخابات أو إعادة هيكلة المؤسسات قد تؤدي إلى تقليص نفوذها أو تهديد مصالحها، فقد تسعى إلى عرقلة تنفيذ خارطة الطريق بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
3- الخلافات المحتملة حول شروط الترشح والقاعدة القانونية
تمثل مسألة الترشح للانتخابات الرئاسية أحد أكثر الملفات حساسية داخل المشهد الليبي، خاصة في ظل وجود شخصيات سياسية وعسكرية ذات حضور وتأثير واسع، لكنها تثير في الوقت نفسه انقسامات حادة بين الأطراف المختلفة. وقد أظهرت تجربة انتخابات 2021 أن الخلافات المتعلقة بأهلية المرشحين وصلاحيات المؤسسات المنتخبة قادرة على تعطيل العملية السياسية بالكامل، وهو ما يجعل هذا الملف أحد أهم نقاط الاختبار خلال المرحلة المقبلة.
4- استمرار نفوذ التشكيلات المسلحة
ما زالت بعض التشكيلات المسلحة تحتفظ بقدرات ميدانية مؤثرة على المستويين الأمني والسياسي، كما تملك نفوذًا داخل بعض المؤسسات والمناطق الحيوية. وفي حال شعرت هذه التشكيلات بأن إعادة توحيد المؤسسات أو إجراء الانتخابات سيؤدي إلى تقليص نفوذها أو إعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة، فقد تلجأ إلى استخدام أدوات الضغط السياسي أو الأمني للتأثير على مسار العملية السياسية.
5- تداخل المصالح الإقليمية والدولية
تظل ليبيا ساحة لتقاطع مصالح إقليمية ودولية متعددة، تشمل ملفات الطاقة والأمن والهجرة وإعادة الإعمار والوجود العسكري. ورغم وجود توافق دولي معلن على دعم الاستقرار، فإن اختلاف أولويات الفاعلين الخارجيين قد ينعكس سلبًا على العملية السياسية إذا شعرت بعض الأطراف بأن التسوية المقترحة لا تخدم مصالحها أو تقلص نفوذها داخل الساحة الليبية.
كما أن تعدد المبادرات الدولية قد يؤدي في بعض الأحيان إلى ازدواجية المسارات السياسية أو خلق تفسيرات مختلفة لأولويات المرحلة المقبلة، الأمر الذي قد يربك عملية التنفيذ ويزيد من احتمالات التعثر.
6- ضعف القدرة التنفيذية للمؤسسات السياسية
تكشف التجربة الليبية خلال العقد الماضي أن التحدي الأساسي لم يكن في التوصل إلى الاتفاقات بقدر ما كان في القدرة على تنفيذها. فقد شهدت البلاد سلسلة من التفاهمات السياسية التي حظيت بدعم داخلي وخارجي، لكنها واجهت صعوبات كبيرة عند الانتقال إلى التطبيق العملي. ومن ثم، فإن نجاح خارطة الطريق الحالية سيظل مرتبطًا بوجود آليات فعالة للمتابعة والتنفيذ والرقابة، وهو ما لم تتضح ملامحه بصورة كاملة حتى الآن.
7- هشاشة الثقة بين الأطراف الليبية
رغم أهمية التوافق الذي تم التوصل إليه بين المؤسسات الرئيسية، فإن سنوات الانقسام والصراع السياسي والعسكري خلفت مستويات مرتفعة من الشك المتبادل بين مختلف القوى الليبية. وقد تظهر هذه الإشكالية بصورة أكثر وضوحًا عند الانتقال إلى الملفات التنفيذية الحساسة، مثل توزيع الصلاحيات، وإدارة الموارد، وتوحيد المؤسسات، واعتماد القوانين المنظمة للانتخابات.
8- احتمالات التنافس على الموارد والمؤسسات السيادية
تمثل المؤسسات السيادية والمالية، وفي مقدمتها المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وهيئات الرقابة والإنفاق العام، أحد أهم مصادر النفوذ داخل الدولة الليبية.
ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية، قد تتزايد المنافسة بين القوى المختلفة على هذه المؤسسات، خاصة إذا ارتبطت بإعادة توزيع النفوذ أو الموارد، وهو ما قد يخلق أزمات سياسية جديدة تؤثر على خارطة الطريق.
ثالثًا: نقاط الاختبار الحاسمة خلال الأشهر المقبلة
تمثل الفترة الممتدة حتى نهاية عام 2026 مرحلة مفصلية في تحديد مستقبل خارطة الطريق، إذ ستكشف مجموعة من الملفات الرئيسية مدى جدية الأطراف الليبية في تنفيذ التزاماتها.
وتتمثل أبرز نقاط الاختبار في:
1. التوصل إلى توافق نهائي بشأن القاعدة الدستورية المنظمة للانتخابات: يعد هذا الملف أحد أكثر القضايا حساسية داخل المشهد الليبي، إذ يرتبط مباشرة بمشروعية العملية الانتخابية وآليات تنظيمها. وأي تأخير أو خلاف جوهري حول هذه المسألة قد ينعكس على الجدول الزمني بالكامل.
2. اعتماد القوانين الانتخابية دون خلافات جوهرية: ستمثل قدرة المؤسسات الليبية على اعتماد القوانين المنظمة للانتخابات واختبار مدى قبول مختلف الأطراف بها مؤشرًا مهمًا على إمكانية استمرار المسار السياسي.
3. تحقيق تقدم ملموس في توحيد المؤسسات السيادية: كلما تحقق تقدم فعلي في توحيد المؤسسات المالية والإدارية والسيادية، ارتفعت فرص نجاح العملية السياسية، بينما سيؤدي استمرار الازدواج المؤسسي إلى زيادة احتمالات التعثر.
4. الحفاظ على الاستقرار الأمني: يمثل الحفاظ على حالة الهدوء النسبي ومنع عودة الاشتباكات المسلحة أحد أهم شروط نجاح خارطة الطريق. وأي تدهور أمني واسع قد ينعكس مباشرة على فرص إجراء الانتخابات.
5. معالجة ملف الترشح للانتخابات الرئاسية: سيشكل هذا الملف اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف الليبية على إدارة الخلافات السياسية ضمن الأطر القانونية والمؤسسية، بدلًا من تحويلها إلى أزمات تهدد العملية السياسية.
6. استمرار الدعم الدولي والإقليمي: تحتاج العملية السياسية الليبية إلى بيئة خارجية داعمة ومستقرة. ولذلك فإن استمرار التوافق الدولي والإقليمي بشأن دعم المسار السياسي سيبقى عاملًا مهمًا في نجاحه.
رابعًا: التقدير العام للموقف
بحسب المؤشرات الحالية، فإن خارطة طريق 2027 تمثل فرصة سياسية حقيقية لإعادة تنشيط العملية السياسية الليبية وإنهاء حالة الجمود التي طبعت المشهد خلال السنوات الماضية. ومع ذلك، فإن البيئة السياسية والأمنية التي تتحرك داخلها هذه المبادرة لا تزال تتسم بدرجة مرتفعة من التعقيد، نتيجة استمرار الانقسام المؤسسي، وتضارب مصالح النخب السياسية، وبقاء عدد من الملفات الخلافية دون تسوية نهائية.
وعلى الرغم من وجود إرادة سياسية معلنة لدى الأطراف الليبية الرئيسية لدعم المسار الانتخابي، فإن نجاح هذا المسار سيظل مرهونًا بقدرة هذه الأطراف على تجاوز الاختبارات المرتبطة بالقاعدة الدستورية، وشروط الترشح، وتوحيد المؤسسات، والحفاظ على الاستقرار الأمني خلال المرحلة المقبلة.
ومن ثم، تبدو احتمالات التعثر الجزئي أو التأجيل المحدود أعلى من احتمالات النجاح الكامل أو الانهيار الشامل خلال المدى المنظور، الأمر الذي يجعل الفترة الممتدة حتى نهاية عام 2026 مرحلة حاسمة في تحديد مستقبل العملية السياسية الليبية.
خامسًا: تحليل الفرص والمخاطر
أولًا: الفرص
1. إنهاء أطول مرحلة انتقالية في تاريخ ليبيا الحديث
تمثل خارطة طريق 2027 فرصة حقيقية لإنهاء حالة الجمود السياسي التي استمرت لأكثر من عقد من الزمن، والانتقال إلى مؤسسات منتخبة تتمتع بشرعية شعبية مباشرة. ومن شأن نجاح هذا المسار أن يضع حدًا لحالة الازدواج المؤسسي التي أثرت سلبًا على أداء الدولة الليبية، وأن يوفر إطارًا سياسيًا أكثر استقرارًا لإدارة الخلافات والتنافس السياسي.
2. توحيد المؤسسات السيادية والمالية
يمكن أن يسهم نجاح خارطة الطريق في إنهاء حالة الانقسام التي طالت المؤسسات السيادية والمالية، بما في ذلك المؤسسات المسؤولة عن إدارة الموارد العامة. كما قد يؤدي ذلك إلى تحسين كفاءة الإدارة الحكومية وتعزيز الشفافية والرقابة على الإنفاق العام.
3. تحسين البيئة الاقتصادية والاستثمارية
يُتوقع أن يساهم الاستقرار السياسي والمؤسسي في جذب الاستثمارات الأجنبية، خاصة في قطاعي النفط والغاز، إلى جانب تشجيع مشاريع إعادة الإعمار والتنمية. كما أن استقرار ليبيا قد ينعكس إيجابًا على حركة التجارة والاستثمار في المنطقة ككل.
4. تعزيز الاستقرار الإقليمي
من شأن نجاح المسار السياسي الليبي أن يساهم في تقليص عدد من التهديدات العابرة للحدود، مثل الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، بما يدعم الاستقرار في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل وجنوب المتوسط.
ثانيًا: المخاطر
1. إطالة أمد المرحلة الانتقالية
إذا تعثرت خارطة الطريق أو واجهت تأجيلات متكررة، فقد تتحول إلى إطار جديد لإدارة الأزمة بدلًا من حلها، بما يؤدي إلى تمديد المرحلة الانتقالية وإعادة إنتاج حالة الجمود السياسي.
2. عودة الانقسام المؤسسي
قد يؤدي الخلاف حول الانتخابات أو توزيع السلطة إلى عودة الانقسام بين المؤسسات السياسية والتنفيذية، وظهور سلطات أو ترتيبات موازية تعيد المشهد إلى حالة الاستقطاب السابقة.
3. تصاعد التوترات الأمنية
في حال فشل العملية السياسية أو الطعن في نتائجها، قد تلجأ بعض الأطراف إلى استخدام أدوات الضغط الأمني أو العسكري، خاصة في ظل استمرار نفوذ بعض التشكيلات المسلحة.
4. تراجع الثقة الشعبية
يمثل فقدان الثقة الشعبية أحد المخاطر المهمة، خاصة إذا تكررت سيناريوهات التأجيل أو تعثرت الوعود المتعلقة بالانتخابات. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع المشاركة السياسية وزيادة الفجوة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية.
سادسًا: الانعكاسات المحتملة على الاستقرار الإقليمي
تتجاوز أهمية الاستقرار الليبي حدود الدولة الليبية نفسها، نظرًا للموقع الجغرافي الاستراتيجي للبلاد وارتباطها المباشر بعدد من الملفات الإقليمية الحساسة.
بالنسبة لمصر، يمثل استقرار ليبيا عاملًا مهمًا في أمن الحدود الغربية المصرية وتقليص مخاطر التهريب وتسلل العناصر المسلحة، كما يسهم في تعزيز فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.
أما من ناحية تونس، فستنعكس أي تطورات إيجابية في ليبيا على الاقتصاد التونسي من خلال تنشيط حركة التجارة والعمالة والاستثمار، في حين أن تعثر العملية السياسية قد يزيد الضغوط الاقتصادية والأمنية على تونس.
كما تنظر الجزائر إلى استقرار ليبيا باعتباره جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي في المغرب العربي، ولذلك فإن نجاح خارطة الطريق سيساعد على تعزيز الاستقرار الحدودي وتقليص المخاطر الأمنية العابرة للحدود.
يساهم استقرار ليبيا أيضًا في الحد من حركة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب التي تنشط عبر الحدود، بينما قد يؤدي تعثر العملية السياسية إلى استمرار بيئات عدم الاستقرار في أجزاء من الساحل الأفريقي.
وبالنسبة لأوروبا، فإن ليبيا ترتبط مباشرة بملفات الهجرة غير النظامية وأمن الطاقة واستقرار البحر المتوسط. ومن ثم، فإن نجاح خارطة الطريق سيخدم المصالح الأوروبية في هذه الملفات، بينما قد يؤدي فشلها إلى زيادة التحديات الأمنية والإنسانية.
سابعًا: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: تعثر التنفيذ واستمرار المرحلة الانتقالية (الأكثر ترجيحًا)
يقوم هذا السيناريو على استمرار التوافق السياسي العام بين الأطراف الليبية، مع تعثر بعض الملفات الجوهرية المتعلقة بالقاعدة الدستورية أو شروط الترشح أو توحيد المؤسسات.
وفي هذه الحالة قد يتم تأجيل بعض الاستحقاقات أو تمديد الترتيبات الانتقالية الحالية دون انهيار كامل للعملية السياسية.
ويستند ترجيح هذا السيناريو إلى التجربة الليبية خلال السنوات الماضية، والتي أظهرت أن الخلافات غالبًا ما تؤدي إلى التأجيل وإعادة التفاوض أكثر من توجهها نحو الانهيار الكامل.
السيناريو الثاني: نجاح خارطة الطريق والوصول إلى انتخابات 2027
يفترض هذا السيناريو نجاح الأطراف الليبية في تجاوز الخلافات الرئيسية والتوصل إلى توافقات عملية بشأن الملفات العالقة، بما يسمح بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها المقرر.
ويستند هذا السيناريو إلى وجود إرهاق سياسي واسع، ورغبة داخلية ودولية في إنهاء المرحلة الانتقالية، إضافة إلى الضغوط المتزايدة لدعم الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، ستشهد ليبيا انتقالًا تدريجيًا نحو مؤسسات أكثر استقرارًا وشرعية، مع تحسن البيئة الأمنية والاقتصادية.
السيناريو الثالث: انهيار التوافقات وعودة الانقسام (الأقل ترجيحًا والأعلى خطورة)
يقوم هذا السيناريو على فشل الأطراف الليبية في الحفاظ على التفاهمات الحالية، وعودة الخلافات حول السلطة والانتخابات بصورة تؤدي إلى تجدد الانقسام السياسي وربما الأمني.
وقد يترتب على ذلك ظهور مؤسسات متنافسة أو عودة الاستقطاب الحاد بين الشرق والغرب، فضلًا عن تصاعد مخاطر التوتر الأمني.
ورغم أن هذا السيناريو يبقى الأقل ترجيحًا خلال المدى القريب، فإنه يظل الأعلى خطورة بسبب تداعياته على الأمن الليبي والإقليمي.
ثامنًا: المسارات المقترحة للحد من مخاطر تعثر خارطة الطريق
1) على المدى القصير
- دعم التوافقات السياسية الحالية وتشجيع الأطراف الليبية على الالتزام بالجدول الزمني المعلن.
- تعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية بالعملية الانتخابية.
- تكثيف الدعم الدولي والإقليمي للمسار السياسي.
- منع أي ترتيبات موازية قد تُستخدم كبديل عن الانتخابات أو تؤدي إلى إضعافها.
- دعم إجراءات بناء الثقة بين الأطراف السياسية والأمنية.
2) على المدى المتوسط
- دفع جهود توحيد المؤسسات السيادية والمالية والأمنية.
- تطوير آليات فعالة لمعالجة الخلافات القانونية والدستورية.
- دعم برامج المصالحة الوطنية والحوار المجتمعي.
- تعزيز دور المؤسسات الرقابية والإدارية المستقلة.
- تشجيع الإصلاحات الاقتصادية التي تقلل من دوافع التنافس على الموارد.
- 3) على المدى البعيد
- بناء مؤسسات دولة موحدة وقادرة على بسط سلطتها على كامل الأراضي الليبية.
- تعزيز التنمية الاقتصادية المتوازنة بين مختلف المناطق.
- الحد من الاعتماد على التوازنات المسلحة كوسيلة لإدارة الصراع السياسي.
- دعم دمج ليبيا في المنظومات الاقتصادية والأمنية الإقليمية.
- ترسيخ ثقافة التداول السلمي للسلطة واحترام نتائج الانتخابات.
وختامًا يمكن القول.. تمثل خارطة طريق 2027 الفرصة السياسية الأكثر جدية منذ تعثر انتخابات ديسمبر 2021 لإعادة تحريك العملية السياسية الليبية وإنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة منذ سنوات. غير أن التجربة الليبية تشير إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التوصل إلى التوافقات السياسية بقدر ما يكمن في القدرة على تنفيذها وتحويلها إلى ترتيبات مؤسسية مستدامة.
وتوضح المؤشرات الحالية أن فرص استمرار العملية السياسية ما تزال قائمة، إلا أن مخاطر التعثر خلال مرحلة التنفيذ تظل مرتفعة نسبيًا نتيجة استمرار الانقسام الأمني، وتضارب المصالح السياسية، وبقاء الملفات الخلافية الرئيسية دون حسم نهائي.
وعليه، فإن الأشهر المتبقية من عام 2026 ستشكل الاختبار الحاسم لمستقبل خارطة الطريق، حيث ستتحدد خلالها قدرة الأطراف الليبية على الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ العملي. وفي حال نجحت هذه الأطراف في تجاوز نقاط الاختبار الرئيسية، فقد تقترب ليبيا من إنهاء واحدة من أطول المراحل الانتقالية في تاريخها الحديث.
أما إذا تعثرت هذه الجهود، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام دورة جديدة من التأجيل وإدارة الأزمة، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الليبي والإقليمي. ومن ثم، فإن مراقبة المؤشرات المرتبطة بالعملية الانتخابية، وتوحيد المؤسسات، والاستقرار الأمني، ستظل العامل الأكثر أهمية في تقييم مستقبل المشهد الليبي خلال المرحلة المقبلة.




