الملخص التنفيذي
تنظر تركيا إلى «اتفاق مكة للدفاع المشترك» مع السعودية وباكستان باعتباره بدايةً لتأسيس هندسة أمنية إقليمية أكثر استقلالًا، تقوم على «الملكية الإقليمية للأمن»، والردع الجماعي، ومأسسة التعاون العسكري والدفاعي بين قوى تمتلك قدرات متكاملة. ولا يظهر في الخطاب الرسمي التركي ميلٌ إلى تقديم الاتفاق باعتباره تحالفًا موجّهًا ضد إيران أو إسرائيل أو بديلًا لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، بل تحرص أنقرة على تثبيته باعتباره إطارًا دفاعيًا مفتوحًا للتوسع، يمكن أن يشكل نواةً لمنظومة أمنية أوسع تضم دولًا إقليمية أخرى.
في المقابل، يكشف رصد الإعلام التركي عن قراءة أكثر اتساعًا للاتفاق. فالصحف ووسائل الإعلام القريبة من الحكومة تقدمه باعتباره تحولًا تاريخيًا يعزز مكانة تركيا بوصفها القوة العسكرية والصناعية المركزية داخل هيكل أمني إسلامي جديد، فيما تربطه بعض التغطيات بتراجع الاعتماد على المظلة الأمنية الغربية وإعادة توزيع موازين القوة أمام إسرائيل واليونان والهند. وعلى الجانب الآخر، تحذر أصوات معارضة من أن بند الدفاع الجماعي قد يحمّل أنقرة التزامات مرتبطة بصراعات السعودية مع الحوثيين أو إيران، أو بالتوتر الباكستاني-الهندي.
وعليه، يتمثل التقدير الأرجح في أن أنقرة لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره تحالف حرب أو اصطفافًا مذهبيًا، وإنما «نواة مؤسسية» لمشروع أطول مدى يهدف إلى الانتقال من العلاقات الثنائية المرنة إلى شبكة أمن إقليمية دائمة؛ مع توظيفها بالتوازي في توسيع النفوذ السياسي، وتعزيز صادرات الصناعات الدفاعية، وربط الأمن بالتجارة والممرات الاقتصادية. غير أن نجاح هذه الرؤية سيظل مرهونًا بقدرة تركيا على منع تحول الاتفاق من منصة للردع إلى آلية تستدرجها إلى صراعات شركائها.
أولًا: سياق الاتفاق
جاء توقيع اتفاق مكة في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، تتداخل فيها الحرب الأمريكية-الإيرانية، وتهديدات الملاحة والطاقة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، والتوتر السعودي مع الحوثيين، والتنافس الهندي-الباكستاني، فضلًا عن تصاعد المخاوف من اتساع نطاق المواجهات الإقليمية.
لكن القراءة التركية الرسمية تشير إلى أن الاتفاق ليس استجابةً آنية لهذه التطورات؛ إذ كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن المشاورات بشأن إقامة مثل هذا الإطار الأمني بدأت قبل أكثر من عامين، وأن أنقرة ناقشت التصور مع السعودية وباكستان ودول أخرى قبل وصوله إلى مرحلة التوقيع.
ويدعم ذلك أن الحديث عن صيغة ثلاثية كان قد ظهر علنًا منذ مطلع عام 2026؛ إذ كانت تركيا والسعودية وباكستان تناقش بالفعل مسودة اتفاق دفاعي قبل توقيعه النهائي بأشهر. ومن ثم، تتعامل أنقرة مع التطورات الراهنة باعتبارها عاملًا سرّع إخراج المشروع إلى العلن أكثر من كونها السبب الوحيد في إنشائه.
ثانيًا: كيف ترى القيادة التركية اتفاق مكة؟
- تأسيس «ملكية إقليمية للأمن»
يمثل مفهوم «الملكية الإقليمية» المفتاح الأكثر أهمية لفهم الرؤية التركية للاتفاق. فالخطاب الرسمي يذهب إلى أن الاعتماد المستمر على القوى الخارجية لم يوفر للشرق الأوسط استقرارًا دائمًا، وأن دول المنطقة بحاجة إلى الانتقال من كونها مستهلكةً للأمن الذي توفره قوى خارجية إلى المشاركة المباشرة في إنتاجه. عبّر فيدان عن هذه الفكرة بوضوح عندما أكد أن القوى المهيمنة القادمة من خارج المنطقة لم تنجح في حل مشكلاتها، وأن الدول الإقليمية يجب أن تتجه نحو هياكل مؤسسية تضمن بنفسها أمنها واستقرارها الاقتصادي وتنميتها. لذلك، لا تنظر أنقرة إلى اتفاق مكة بصفته ترتيبًا عسكريًا محدودًا بين ثلاثة أطراف فحسب، بل تجربة أولية يمكن أن تؤسس لنمط مختلف من العلاقات الإقليمية.
- الردع بدلًا من الحرب
المستوى الثاني في الخطاب التركي يقوم على الفصل بين «التحالف الدفاعي» و«التحالف الهجومي». فالتشابه بين بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة والمادة الخامسة من ميثاق الناتو لا يعني، وفق التصور التركي، الانتقال تلقائيًا إلى الحرب عند تعرض أحد الأطراف لأزمة. ويؤكد فيدان أن الالتزامات الواردة في الاتفاق عامة، وأن طبيعة المساعدة ستتحدد بحسب حجم التهديد وقرارات المؤسسات المشتركة، ويمكن أن تبدأ من تبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي والذخائر قبل أن تصل، في الحالات الأكثر تقدمًا، إلى الوحدات العسكرية. وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأنها تكشف محاولة أنقرة تجنب تفسير بند «الهجوم على دولة هجوم على الجميع» باعتباره التزامًا آليًا بالدخول في كل حرب يخوضها أحد الشركاء.
- الاتفاق ليس ضد إيران
أحد أكثر المحاور حضورًا في الإعلام هو التساؤل عما إذا كان الاتفاق يمثل إنشاء محور سني في مواجهة إيران، خصوصًا في ظل الصراع الإقليمي الحالي وعضوية السعودية فيه. إلا أن الخطاب الرسمي التركي يرفض هذه القراءة. فأنقرة تؤكد عدم وجود «تهديد مشترك» محدد في الاتفاق، وأن الدول التي لا تعتدي على أعضائه ليست مستهدفة. كما أشار فيدان صراحةً إلى أن إيران ليست هدفًا للاتفاق. والأهم أن فيدان كشف أن تركيا ناقشت رؤيتها للأمن الإقليمي مع الإيرانيين خلال مرحلة إعداد المشروع، وأن طهران يمكن أن تؤدي مستقبلًا دورًا في ترتيبات إقليمية أكثر اتساعًا إذا توافرت الظروف السياسية لذلك. وهذا يعني أن أنقرة تحاول إبقاء خط فاصل بين «الردع» و«الاستقطاب المذهبي»، حتى وإن كان المناخ السياسي المحيط بالاتفاق يسمح بقراءات مختلفة.
- ليس بديلًا للناتو
تحرص القيادة التركية كذلك على نفي وجود تعارض بين اتفاق مكة والتزاماتها داخل الناتو. ويعكس ذلك سعي أنقرة إلى تبني سياسة «تعدد المظلات الأمنية» بدلًا من استبدال مظلة بأخرى. فالهدف التركي ليس الانسحاب من المنظومة الغربية لصالح منظومة إسلامية، وإنما إضافة دائرة أمنية جديدة إلى دوائر الحركة التركية الممتدة من الناتو وأوروبا إلى الشرق الأوسط والقوقاز والبحر الأسود وآسيا الوسطى. وتكشف تصريحات فيدان عن رؤية أبعد، تتصور إمكانية تحقيق نوع من المواءمة على المدى المتوسط والطويل بين هندسة الأمن الأوروبية وهندسة الأمن الشرق أوسطية عبر تركيا. وهنا تبرز تركيا في تصورها الذاتي ليس مجرد عضو داخل تحالفين، وإنما «دولة وصل» بين بنيتين أمنيتين.
ثالثًا: لماذا ترى أنقرة الاتفاق مكسبًا استراتيجيًا؟
- تكامل القدرات الثلاثية
تقوم إحدى أبرز السرديات التركية على فكرة «تكامل القوة»: تركيا توفر قاعدة صناعية دفاعية متقدمة وخبرة عسكرية وجغرافيا استراتيجية؛ والسعودية توفر الثقل المالي والطاقة والقدرة الاستثمارية؛ بينما تمتلك باكستان خبرة عسكرية كبيرة ووزنًا ديموغرافيًا وجيوسياسيًا وقدرة نووية. ومن وجهة النظر التركية، فإن الجمع بين هذه العناصر لا ينتج مجرد مجموع حسابي لقدرات ثلاث دول، وإنما يخلق كتلة يمكن أن تمتلك قدرة تفاوض وردع أكبر من القدرات المنفردة لكل دولة.
- الصناعات الدفاعية في قلب المشروع
أظهرت تصريحات المسؤولين الأتراك أن التعاون الدفاعي الصناعي ليس نتيجة جانبية للاتفاق، بل أحد مكوناته الأساسية. وكشفت التصريحات التركية الرسمية أن التعاون في هذا المجال كان من أكثر الملفات التي ناقشها قادة الدول الثلاث أثناء توقيع الاتفاق، إلى جانب التكنولوجيا، والتدريب، واللوجستيات، وتبادل المعلومات، وقابلية القوات للعمل المشترك. وبالنسبة لأنقرة، يفتح ذلك مجالًا يتجاوز صادرات الأسلحة التركية إلى تأسيس مشروعات مشتركة وتمويل وتطوير تكنولوجيات دفاعية جديدة. ويمكن في هذا السياق قراءة الإشارات التركية إلى إمكانية دخول السعودية في مشروعات استراتيجية، ومنها مشروع المقاتلة «قآن»، باعتبارها مؤشرًا على أن أنقرة تريد تحويل التحالف الأمني إلى «منظومة إنتاج دفاعي» وليس سوقًا للصادرات التركية فقط.
- الأمن بوابة للاقتصاد والممرات
الرؤية التركية لا تفصل بين الأمن والاقتصاد. فغياب الثقة الأمنية، وفق الحكومة التركية، يعرقل بناء هياكل اقتصادية أكثر تكاملًا، بينما يسمح الردع والاستقرار بتعميق الاستثمار والتجارة والربط الإقليمي. لذلك تناول الإعلام التركي انعكاسات اتفاق مكة على الممرات الاقتصادية، خصوصًا مشروع الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي، في مقابل الممرات التي تعزز موقع تركيا في الربط بين الخليج والعراق وسوريا وأوروبا. كما يفسر هذا الربط الأمني-الاقتصادي اهتمام أنقرة المتزايد بأمن البحر الأحمر وباب المندب؛ إذ أكد فيدان أن تعطيل هذا المسار التجاري يمس المصالح التركية مباشرةً.
رابعًا: كيف يرى الإعلام التركي اتفاق مكة؟
يكشف تحليل العينة الإعلامية التركية عن ثلاثة اتجاهات رئيسية:
الاتجاه الأول: «اتفاق تاريخي وبداية لنظام إقليمي جديد»
وهو الاتجاه الأوسع في وسائل الإعلام القريبة من الحكومة، حيث تكرر توصيف الاتفاق بأنه «تاريخي»، و«يغير قواعد اللعبة»، ويعيد توزيع الأوراق في الشرق الأوسط. ويركز هذا الخطاب على أن تركيا والسعودية وباكستان تمثل ثلاثة أنماط متكاملة من القوة، وأن توحيدها تحت إطار دفاعي واحد يمنح الاتفاق وزنًا يتجاوز أطرافه الثلاثة. وفي أكثر صوره حماسةً، يُطرح الاتفاق باعتباره نواةً محتملة لـ«ناتو إسلامي» أو «كتلة صلبة» داخل العالم الإسلامي بقيادة تركيا.
إلا أن هذه الصياغة تمثل قراءة إعلامية وسياسية أكثر منها توصيفًا رسميًا؛ إذ لا تستخدم القيادة التركية حتى الآن مفهوم «الناتو الإسلامي»، بل تؤكد أن المشروع مفتوح، دفاعي وغير موجه ضد طرف محدد.
الاتجاه الثاني: «تركيا مركز النظام الأمني الجديد»
تضع شريحة واسعة من التغطية الإعلامية تركيا في مركز الاتفاق، وليس مجرد طرف متساوٍ فيه.ويظهر ذلك في التركيز على امتلاك أنقرة القوة العسكرية التقليدية الأكبر بين الدول الثلاث، وصناعات دفاعية متطورة، وعضوية الناتو، وانتشارًا جغرافيًا يمتد تأثيره من البحر الأسود والقوقاز إلى شرق المتوسط والشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ومن هذه الزاوية، يرى إعلام قريب من الحكومة أن اتفاق مكة يؤكد انتقال تركيا من دولة تتفاعل مع ترتيبات المنطقة إلى دولة تشارك في صياغة هذه الترتيبات. ويبلغ هذا الخطاب ذروته في بعض المقالات التي تتحدث عن «عصر تركي جديد» أو عن قيادة تركية لمنظومة أمن إسلامية. وهي صياغات تتجاوز مرة أخرى اللغة الرسمية الأكثر حذرًا.
الاتجاه الثالث: «اتفاق يحمل مخاطر سحب تركيا إلى صراعات الآخرين»
يقابل الخطاب المتفائل اتجاه نقدي داخل الإعلام والمعارضة التركية يتساءل عن الثمن الذي ستدفعه أنقرة مقابل الالتزام بالدفاع الجماعي. وتتمحور المخاوف حول سؤال رئيسي: ماذا يحدث إذا تعرضت السعودية لهجوم في سياق صراعها مع إيران أو الحوثيين؟ وماذا تفعل تركيا إذا اندلعت مواجهة عسكرية واسعة بين باكستان والهند؟
ويرى هذا الاتجاه أن الاتفاق قد يحول مشكلات أمنية بعيدة عن الأمن القومي التركي المباشر إلى التزامات تقع على عاتق أنقرة. كما تذهب بعض القراءات إلى تفسير الاتفاق باعتباره جزءًا من إعادة تموضع أوسع في المنطقة يحظى بقبول أمريكي، وتحذر من انتقال تركيا من تعاونها السابق مع إيران وروسيا في أطر مثل أستانة إلى بنية أمنية أكثر قربًا من المصالح الأمريكية والخليجية.
خامسًا: إسرائيل واليونان في السردية الإعلامية التركية
أحد أبرز ملامح التغطية التركية هو الاهتمام الكبير بردود أفعال إسرائيل واليونان. فبدل الاكتفاء بتحليل الاتفاق من منظور أطرافه، قدمت عدة وسائل إعلام تركية «قلق تل أبيب وأثينا» باعتباره دليلًا على أهميته الاستراتيجية. وفي الحالة الإسرائيلية، ركزت المعالجات على احتمال أن يؤدي الجمع بين القوة العسكرية التركية والقدرات الباكستانية والإمكانات السعودية إلى تقييد حرية الحركة الإسرائيلية إقليميًا. أما في الحالة اليونانية، فقد جرى التركيز على أن انضمام السعودية إلى اتفاق دفاعي مع تركيا يضع أثينا أمام معادلة مختلفة بعد سنوات من الاستثمار السياسي والعسكري في علاقاتها مع الرياض. لكن الخطاب الرسمي التركي يظل أكثر تحفظًا من هذا الاتجاه الإعلامي؛ إذ يؤكد أن التحالف لا يستهدف إسرائيل أو اليونان ما لم يقع اعتداء على أحد أعضائه.
سادسًا: الاتفاق نواة وليس الصيغة النهائية
من أهم العناصر التي تكشف حقيقة الرؤية التركية وصف الدول الثلاث رسميًا بأنها «الدول النواة». فالمشروع، من منظور أنقرة، لا يُفترض أن يبقى ثلاثيًا. وقد أكد فيدان أن دولًا أخرى أبدت بالفعل رغبةً في الانضمام، وأن الدول المؤسسة فضلت أولًا تثبيت المبادئ والمعايير والمؤسسات ثم فتح العضوية أمام أطراف جديدة بموافقتها.
وتبرز مصر باعتبارها المرشح الأكثر وضوحًا للتوسع الأول؛ إذ أعلن نائب الرئيس التركي جودت يلماز عدم وجود مانع مبدئي أمام انضمام القاهرة، بينما ذهب وزير الخارجية التركي إلى أبعد من ذلك بقوله إنه يتوقع أن تكون مصر في المرحلة المقبلة داخل التحالف بعد تسوية بعض المسائل الفنية.
وفي حال تحقق ذلك، ستتغير طبيعة الاتفاق؛ إذ سينتقل من مثلث تركي-خليجي-جنوب آسيوي إلى بنية تضم القوى العسكرية والديموغرافية الرئيسية في شرق المتوسط والشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
سابعًا: المؤشرات الواجب مراقبتها
سيكون الحكم على الوزن الحقيقي لاتفاق مكة مرتبطًا بما يحدث بعد التوقيع أكثر من نص الاتفاق ذاته. وتبرز في هذا السياق مجموعة من المؤشرات:
- سرعة إنشاء الأمانة العامة المقرر أن يكون مقرها في السعودية
- طبيعة صلاحيات اللجنة السياسية والعسكرية المشتركة
- بدء المناورات والتدريبات الثلاثية
- تطوير منظومات اتصال وقيادة موحدة؛ مستوى تبادل المعلومات الاستخباراتية
- ظهور مشروعات صناعات دفاعية مشتركة
- دخول السعودية في برامج دفاعية تركية استراتيجية؛ وطبيعة الدول التي ستتقدم للعضوية
ويكتسب المؤشر الأخير أهمية استثنائية. فإذا انضمت دول عربية وإسلامية أخرى، سيتأكد الاتجاه نحو تأسيس نظام أمني إقليمي أوسع. أما إذا بقي الاتفاق محصورًا في الدول الثلاث، فسيكون أقرب إلى شراكة دفاعية استراتيجية موسعة منه إلى نواة نظام إقليمي جديد.
ثامنًا: الفرص أمام تركيا
يمنح الاتفاق أنقرة مجموعةً من الفرص المتداخلة. ففي المجال السياسي، يعزز موقعها داخل الترتيبات الأمنية الشرق أوسطية ويمنحها منصة للتأثير في الملفات الممتدة من الخليج والبحر الأحمر إلى جنوب آسيا. وفي المجال الدفاعي، يوفر قاعدة طويلة الأجل أمام الشركات التركية وفرصًا للتمويل المشترك ونقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك. وفي المجال الاقتصادي، يمكن أن يربط الاستقرار الأمني بمشروعات التجارة والاستثمار والممرات والنقل والطاقة.
كما يمنح الاتفاق تركيا فرصة لترسيخ دورها باعتبارها حلقة وصل بين الناتو وأوروبا من جهة، والمنظومات الأمنية الناشئة في الشرق الأوسط من جهة أخرى.
تاسعًا: المخاطر أمام أنقرة
في المقابل، تتمثل المخاطرة الرئيسية في «اتساع الالتزام». فكلما تعمقت المؤسسات العسكرية المشتركة، ازدادت صعوبة الحفاظ على فصل كامل بين الأزمات التي يتعرض لها الشركاء والأمن القومي التركي.
وتزداد هذه المخاطرة لأن السعودية وباكستان تتحركان في بيئتين أمنيتين مختلفتين عن البيئة التركية؛ الأولى على تماس مع الصراع الإيراني-الخليجي واليمني، والثانية مع التنافس التاريخي مع الهند. كذلك يواجه المشروع خطر تفسيره خارجيًا باعتباره محورًا سنيًا أو إسلاميًا، رغم محاولة أنقرة نفي ذلك، بما قد يولد ترتيبات موازنة مضادة.
ويضاف إلى ذلك خطر اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي التركي الحذر والخطاب الإعلامي المتحمس الذي يصوره أحيانًا باعتباره تحالفًا في مواجهة إسرائيل أو بداية «عصر تركي»؛ إذ يمكن لهذا الخطاب أن يزيد حساسيات دول يفترض أن أنقرة تريد جذبها إلى المنظومة مستقبلًا.
عاشرًا: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: التحول إلى منظومة أمن إقليمية موسعة – الأكثر ترجيحًا
تبدأ الدول الثلاث في بناء المؤسسات المشتركة تدريجيًا، وتنتقل من الاتفاق السياسي إلى التنسيق العسكري والصناعي، قبل قبول عضو أو أكثر. ولا تتحول المنظومة إلى حلف هجومي، بل تركز على الردع، وأمن الممرات البحرية، ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، والتعاون الدفاعي الصناعي. يدعم هذا المسار وضوح الرؤية التركية بشأن التوسع، وتوصيف الدول الثلاث بأنها «نواة»، ووجود تصميم أولي لمؤسسات دائمة.
السيناريو الثاني: بقاء الاتفاق شراكةً دفاعية ثلاثية (المرجح)
تظهر خلافات بشأن تعريف التهديدات أو الالتزامات العسكرية، فتظل المؤسسات المشتركة محدودة، بينما يتوسع التعاون في الصناعات الدفاعية والتدريب والاستخبارات. وفي هذه الحالة يحتفظ الاتفاق بأهمية استراتيجية لكنه لا يتحول إلى نظام أمني شامل.
السيناريو الثالث: اختبار الاتفاق بأزمة عسكرية (الأقل ترجيحًا)
تعرض أحد الأطراف لأزمة حادة، سواء في الخليج أو البحر الأحمر أو جنوب آسيا، يفرض أول اختبار لبند الدفاع الجماعي. وسيكون شكل الاستجابة هو العامل الحاسم في تحديد مستقبل الاتفاق: فاستجابة منسقة تعزز مصداقيته، بينما قد تكشف الخلافات حول طبيعة الدعم حدود الالتزام الحقيقي للدول الثلاث.
التقدير
تشير القراءة المتكاملة للخطاب الرسمي والإعلام التركي إلى أن «اتفاق مكة» يمثل بالنسبة لأنقرة مشروعًا يتجاوز بكثير التعاون العسكري الثلاثي، لكنه في الوقت نفسه أقل من الصورة التي تطرحها بعض وسائل الإعلام باعتباره «ناتو إسلاميًا» مكتملًا.
المفهوم الأقرب للرؤية التركية هو «نواة لهندسة أمن إقليمية متعددة الطبقات»: تبدأ بالردع والدفاع المشترك، ثم تنتقل إلى قابلية العمل العسكري المشترك والصناعات الدفاعية، قبل أن تدعم تكاملًا اقتصاديًا وتجاريًا أوسع.
وتريد تركيا من هذه الهندسة تحقيق ثلاثة أهداف متوازية: تقليل اعتماد المنطقة على القوى الخارجية دون القطيعة معها؛ تثبيت موقع أنقرة كقوة مركزية في ترتيبات الأمن الإقليمي؛ وتحويل تفوقها المتزايد في الصناعات الدفاعية إلى نفوذ اقتصادي واستراتيجي مستدام.
ويبدو أن الرهان التركي الحقيقي ليس على «ثلاثية مكة» بصورتها الحالية، وإنما على ما يمكن أن تتحول إليه. فالإشارات الرسمية إلى مصر ودول أخرى، وإنشاء أمانة عامة ولجان سياسية وعسكرية، والحديث عن مناورات ومعايير مشتركة، كلها مؤشرات إلى أن أنقرة تتعامل مع الاتفاق كعملية بناء مؤسسي طويلة المدى.
لكن الاختبار الأصعب سيظل قدرة تركيا على التوفيق بين هذه الدوائر المتعددة: شراكتها الجديدة مع السعودية وباكستان، عضويتها في الناتو، علاقتها بإيران، قنواتها مع روسيا، وطموحها إلى الاحتفاظ بدور الوسيط. فإذا نجحت في ذلك، يمكن لاتفاق مكة أن يعزز سياسة «الاستقلال الاستراتيجي متعدد المسارات» التي تتبعها أنقرة. أما إذا تحولت آلية الدفاع الجماعي إلى استقطاب صلب أو التزام تلقائي بصراعات الشركاء، فقد يصبح الاتفاق مصدرًا للقيود بقدر ما هو مصدر للنفوذ.
وعليه، فإن أدق توصيف للموقف التركي هو أن أنقرة ترى اتفاق مكة بوصفه «بداية نظام» لا «نهاية تحالف»: نواةً أمنية تسعى إلى توسيعها ومأسستها، وتعتبرها فرصة لنقل تركيا من موقع القوة الإقليمية المؤثرة في أزمات الشرق الأوسط إلى موقع القوة المشاركة في تصميم قواعد أمنه.




