تدخل تركيا مرحلة مفصلية في إدارة أحد أكثر ملفاتها الأمنية والسياسية تعقيدًا، مع انتقال مبادرة “تركيا خالية من الإرهاب” التي طرحها لأول مرة دولت بهتشلي، رئيس حزب «الحركة القومي» الحليف السياسي لحزب «العدالة والتنمية» التركي “الحاكم” في أكتوبر 2024، باعتبارها مبادرة للسلام، من مرحلة التفاهمات السياسية والإجراءات الأمنية إلى مرحلة التشريع البرلماني والتنفيذ المؤسسي، عقب إقرار البرلمان التركي مشروع القانون الإطاري المعروف باسم «التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي» والذي ينظم عملية تسليم عناصر حزب «العمال الكردستاني» أنفسهم للدولة، ونزع السلاح، وإعادة دمج الفئات المستفيدة وفق ضوابط قانونية محددة. ويأتي هذا القانون بعد سلسلة من التطورات المتسارعة، أبرزها إعلان الحزب إنهاء نشاطه المسلح في مايو 2025، وبدء انسحاب عناصره من عدد من مواقعه كان آخرها الانسحاب في بداية أغسطس 2026، من 81 موقع استراتيجي عند خط التماس صفر على الحدود العراقية-التركية، بما يعكس انتقال العملية إلى مرحلة التنفيذ العملي.
وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا التقدير إلى تحليل ماهية القانون الإطاري وأهدافه، ودوافع إقراره، والتحديات والمخاطر المحتملة، فضلًا عن تقييم انعكاساته المحتملة على المشهد السياسي التركي، واستشراف السيناريوهات الأكثر احتمالًا لمسار عملية “تركيا خالية من الإرهاب” خلال المرحلة المقبلة.
أولًا: ماهية قانون “التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي”
يمثل “قانون التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي” الذي تم إقراره من البرلمان التركي أول إطار تشريعي شامل يضع الأساس القانوني لعملية السلام الجديدة التي تقودها الحكومة التركية تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”، والتي يصفها حزب «العدالة والتنمية» بأنها مرحلة لإنهاء التهديد الأمني المرتبط بحزب «العمال الكردستاني» بصورة نهائية، بينما يطرحها حزب «المساواة والديمقراطية للشعوب» (ذو التوجه الكردي) باعتبارها مدخلًا إلى “السلام والمجتمع الديمقراطي”.
ويختلف هذا المشروع عن محاولات التسوية السابقة التي جرت بين عامي 2013 و2015، إذ لم يعد يعتمد على التفاهمات السياسية أو المفاوضات غير المقننة، وإنما يؤسس لعملية مؤسسية تستند إلى قانون يحدد الجهات المشمولة، وآليات التنفيذ، والرقابة، والضمانات القانونية، بما يحول دون تكرار انهيار مسار السلام السابق.
ويتكون المشروع من 12 مادة، ويطبق لمدة ستة أشهر فقط، مع اشتراط صدور قانون جديد إذا تقرر تمديد العمل به، ويقتصر نطاق القانون بصورة صريحة على حزبي «العمال الكردستاني» (PKK) و«اتحاد المجتمعات الديمقراطي» (KCK) والهياكل والتنظيمات المرتبطة بهما، وهو ما يمنع توسيع تطبيقه ليشمل تنظيمات أخرى، سواء داخل تركيا أو خارجها، ويؤكد أن الهدف الأساسي هو إنهاء ملف الصراع مع التنظيمات الكردية تحديدًا، وليس إعادة صياغة السياسة الجنائية المتعلقة بقضايا الإرهاب بصورة عامة.
ويرتكز القانون على مبدأ المسؤولية الفردية؛ إذ تُدرس طلبات الاستفادة بصورة منفصلة لكل شخص، خلال مدة أقصاها ستة أشهر من نفاذ القانون، من دون وجود عفو جماعي أو تلقائي. كما يشترط تقييم كل حالة وفق طبيعة الجرائم المنسوبة إليها ومدى التزامها بعملية نزع السلاح والاندماج.
ويميز القانون بين الجرائم التنظيمية والجرائم الجسيمة؛ إذ يسمح بتأجيل تنفيذ الأحكام أو إسقاط الملاحقات المتعلقة بالانتماء إلى التنظيم أو دعمه، بينما يستبعد بصورة قاطعة مرتكبي جرائم القتل العمد والاعتداءات الجنسية والمحكوم عليهم بالسجن المؤبد المشدد، وهو ما يعني عمليًا استبعاد عبد الله أوجلان، مؤسس حزب «العمال الكردستاني»، وقيادات الصف الأول من الاستفادة من أحكامه.
كما ينص القانون على إنشاء هيكلين جديدين لإدارة العملية؛ الأول هو لجنة مؤلفة من 8 أعضاء من الوزراء ذوي الاختصاص ورئيس جهاز الاستخبارات، تحت اسم لجنة «التقييم والتنسيق» وبرئاسة نائب رئيس الجمهورية ومن المتوقع أن تتولى تلك اللجنة الإشراف على تنفيذ القانون، وتقييم طلبات الاستفادة، والنظر في إعادة الحقوق السياسية، والموافقة على فتح أي تحقيقات إرهابية جديدة بحق المستفيدين. أما الثاني فهي لجنة للمتابعة والتقييم داخل البرلمان، ستتولى تلك اللجنة مهام الرقابة السياسية على تنفيذ القانون. ولا يمنح القانون صلاحيات استثنائية لرئيس الجمهورية، بل يٌقصِر دوره على تنفيذ أحكام القانون بعد إقراره.
كما يفتح القانون الباب أمام عودة بعض المستفيدين إلى العمل السياسي بعد استيفاء الشروط القانونية والحصول على موافقة لجنة «التقييم والتنسيق» وقرار من المحكمة المختصة؛ ما يعني أن رفع الحظر السياسي لن يكون تلقائيًا، بل سيظل مرتبطًا بتقدير الدولة لمدى التزام المستفيدين بشروط الاندماج والتخلي النهائي عن النشاط التنظيمي.
ثانيًا: دوافع الحكومة التركية لإقرار مشروع القانون
لا يمكن النظر إلى قانون “التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي” باعتباره مجرد إجراء قانوني لتنظيم عملية إنهاء نشاط حزب «العمال الكردستاني»، وإنما يأتي في سياق استراتيجية أوسع تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية والإقليمية، بما يعكس سعي الدولة التركية إلى إغلاق أحد أكثر ملفاتها الداخلية تعقيدًا واستنزافًا منذ ثمانينيات القرن الماضي.
1- إنهاء التهديد الأمني بصورة مستدامة
يتمثل الدافع الرئيسي للحكومة في تثبيت المكاسب الأمنية التي حققتها خلال السنوات الأخيرة ضد التنظيمات الكردية داخل تركيا وشمال العراق وسوريا وعلى رأسها حزب «العمال الكردستاني»، وتحويل التفوق العسكري إلى تسوية قانونية تمنع إعادة إنتاج التنظيم أو عودته إلى العمل المسلح. فمن وجهة نظر أنقرة، لا يكتمل النجاح الأمني بمجرد تفكيك البنية العسكرية للحزب، بل يتطلب أيضًا إيجاد إطار قانوني يسمح بإعادة دمج العناصر غير المتورطة في الجرائم الجسيمة، مع استمرار ملاحقة القيادات والمسؤولين عن الأعمال الإرهابية؛ إذ إن الصراع الممتد مع حزب «العمال الكردستاني»، منذ ثمانينيات القرن الماضي أسفر عن مئات الهجمات التي استهدفت قوات الأمن والعسكريين والمدنيين، التي أودت بحياة عشرات الآلاف، كان من بين أكثرها دموية هجوم مدينة «هككاري» عام 2007، والذي أسفر عن مقتل نحو 12 جنديًا تركيًا، وهجوم مدينة «تشوكورجا» عام 2011، الذي أودى بحياة نحو 26 جنديًا، وتفجير العاصمة «أنقرة» في مارس 2016 الذي استهدف وسط العاصمة وأدى إلى مقتل 37 شخصًا وإصابة أكثر من 120 آخرين.
وعليه؛ فإن الحكومة التركية ترى أن إنهاء النشاط المسلح بصورة قانونية ومنظمة يمثل الضمانة الحقيقية لمنع تكرار مثل هذه الهجمات، وأن مشروع قانون “التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي” يُشّكل الحلقة الأخيرة في استراتيجية شاملة بدأت بالعمليات العسكرية والأمنية، وتهدف إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة مرحلة ما بعد الصراع، بما يحقق استقرارًا أمنيًا طويل الأمد من دون المساس بمبدأ محاسبة المسؤولين عن الجرائم الإرهابية.
2- إغلاق أحد أكثر الملفات استنزافًا للدولة
على مدار أكثر من أربعة عقود، مثّل الصراع مع حزب «العمال الكردستاني» أحد أكثر الملفات استنزافًا للدولة التركية على المستويات الأمنية والاقتصادية والبشرية، حيث اضطرت أنقرة إلى تخصيص موارد مالية وعسكرية ضخمة لمواجهة التنظيم واحتواء تداعيات نشاطه المسلح، إلى جانب الخسائر البشرية وتأثيراته السلبية على مسار التنمية والاستقرار، خصوصًا في مناطق جنوب شرق البلاد. وتشير تقديرات رسمية تركية إلى أن تكلفة مكافحة الإرهاب خلال العقود الماضية بلغت ما يزيد على 2 تريليون دولار، حيث أشار رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي، إلى أن الصراع مع الإرهاب كلّف الاقتصاد التركي نحو 2.3 تريليون دولار، نتيجة النفقات العسكرية والأمنية المباشرة، والخسائر الناتجة عن تراجع الاستثمارات، وتعطل مشروعات التنمية، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في المناطق المتضررة من العمليات المسلحة. كما تحملت الدولة تكاليف إضافية مرتبطة بانتشار القوات الأمنية والعسكرية، وتعزيز القدرات الاستخباراتية، وتنفيذ عمليات عسكرية متكررة داخل البلاد وخارجها، لا سيما في شمال العراق وسوريا.
من ثم، تنظر الحكومة التركية إلى عملية “تركيا خالية من الإرهاب” باعتبارها فرصة لإغلاق أحد أكثر الملفات تكلفة في تاريخ الجمهورية، وتحويل الموارد التي كانت موجهة إلى العمليات الأمنية والعسكرية نحو أولويات اقتصادية وتنموية، خصوصًا في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والاستثمار، وتنمية المناطق الحدودية. كما تراهن أنقرة على أن إنهاء التهديد الأمني سيسهم في تحسين البيئة الاستثمارية وتعزيز الثقة الاقتصادية، بما يدعم النمو طويل الأمد ويعيد دمج المناطق المتضررة من الصراع في الدورة الاقتصادية الوطنية.
3- تعزيز الاستقرار الداخلي قبل الاستحقاقات السياسية المقبلة
تدرك الحكومة التركية أن إنهاء الصراع المسلح مع حزب «العمال الكردستاني» لا يحمل أبعادًا أمنية واقتصادية فقط، وإنما يمثل عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل البيئة السياسية الداخلية، حصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة واستمرار حالة الاستقطاب بين التحالف الحاكم وقوى المعارضة؛ لذا ترى أنقرة أن نجاح عملية “تركيا خالية من الإرهاب” قد يسهم في تخفيف حدة الانقسامات السياسية والاجتماعية، وفتح المجال أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الداخلي.
ويمثل المكون الكردي أحد العناصر الأساسية في المعادلة السياسية التركية، بالنظر إلى حجمه الديموغرافي ووزنه الانتخابي، حيث تُقدّر نسبة المواطنين الأكراد في تركيا بنحو 15-20% من إجمالي السكان، أي ما يقارب 12 إلى 15 مليون نسمة، ويتمثل هذا الثقل سياسيًا وبرلمانيًا بصورة أساسية عبر حزب «المساواة والديمقراطية للشعوب» (DEM Parti)، الذي يُعد الممثل السياسي الأبرز للتيار الكردي في البرلمان التركي؛ إذ يمتلك الحزب حاليًا نحو 56 مقعدًا من أصل 600 مقعد، بما يمثل قرابة 9.3% من إجمالي التمثيل البرلماني أي ثالث أكبر حزب يمتلك تمثيل برلماني بعد حزب «العدالة والتنمية» وحزب «الجديد» (المُعارض)، ليصبح أحد القوى البرلمانية المؤثرة، خصوصًا في ظل عدم امتلاك أي من التحالفات السياسية الكبرى أغلبية مريحة تمكنها من تمرير القوانين الكبرى من دون الحاجة إلى تفاهمات مع أطراف أخرى.
ومن هذا المنطلق يُعد نجاح الحكومة في إدارة ملف إنهاء الإرهاب له انعكاسات سياسية مهمة، إذ قد يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمكون الكردي على أساس سياسي وقانوني بدلًا من المقاربة الأمنية التقليدية، كما قد يمنح حزب «العدالة والتنمية» وحلفاءه فرصة لاستعادة جزء من الناخبين الأكراد الذين ابتعدوا عنه خلال السنوات الماضية نتيجة تصاعد الخطاب القومي والأمني، ولكن في الوقت ذاته ينطوي الملف على تحدي سياسي؛ إذ إن أي خطوات يُنظر إليها باعتبارها تنازلات غير محسوبة قد تواجه اعتراضات من التيار القومي داخل المجتمع التركي، خصوصًا التيار القومي التقدمي المتمثل في حزب «الخير»، الذي لديه اعتراضات على إقرار مشروع القانون.
وبناءً عليه، فإن القانون لا يمثل فقط أداة لإنهاء نشاط مسلح استمر لأكثر من أربعة عقود، بل يمكن أن يتحول إلى عنصر مؤثر في إعادة ترتيب الخريطة السياسية التركية قبل انتخابات 2028، سواء من خلال تعزيز موقع التحالف الحاكم باعتباره صاحب المبادرة، أو دفع المعارضة إلى إعادة صياغة خطابها تجاه القضية الكردية والملفات المرتبطة بالأمن والاستقرار الداخلي.
4- تعزيز شرعية الدولة في إدارة القضية الكردية
يستهدف قانون “التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي” إعادة تعريف طريقة تعامل الدولة التركية مع القضية الكردية، من خلال نقلها من إطار المواجهة الأمنية والمفاوضات غير المباشرة مع تنظيم مسلح إلى إطار قانوني ومؤسسي تديره الدولة عبر مؤسساتها الدستورية والتشريعية والأمنية. وتسعى الحكومة التركية من خلال ذلك إلى التأكيد أن إنهاء الصراع يتم عبر تطبيق قواعد قانونية تحدد شروط نزع السلاح، وإعادة دمج العناصر غير المتورطة في الجرائم، ومحاسبة المسؤولين عن الأعمال الإرهابية؛ خصوصًا وأن استمرار ملف حزب «العمال الكردستاني» كان له تأثير مباشر على صورة تركيا الخارجية وعلاقاتها الدولية، حيث ارتبط الملف الكردي على مدار عقود بانتقادات دولية متعلقة بملفات حقوق الإنسان، والحريات السياسية، وحقوق الأقليات، وسيادة القانون. كما استخدمت بعض الأطراف الدولية هذا الملف للضغط على أنقرة في عدد من المحافل، ما انعكس على تصنيفات تركيا ومؤشراتها الدولية، خصوصًا في مجالات الديمقراطية والحريات المدنية والاستقرار السياسي.
فقد أسهم استمرار الصراع المسلح والإجراءات الأمنية المصاحبة له في تعقيد مسار علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي، وأثر على تقييمها في عدد من التقارير الدولية المتعلقة بالحكم الرشيد والحريات السياسية، كما شكل أحد العوامل التي استندت إليها بعض المؤسسات الدولية في تصنيف البيئة السياسية التركية باعتبارها تواجه تحديات مرتبطة بالتوازن بين متطلبات الأمن القومي والحقوق والحريات العامة.
وترى أنقرة من هذا الجانب أن نجاح عملية “تركيا خالية من الإرهاب” تًمثل فرصة لإعادة بناء صورة الدولة التركية باعتبارها قادرة على معالجة أزماتها الداخلية عبر أدوات قانونية ومؤسسية، ما قد ينعكس إيجابيًا على علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمنظمات الدولية، ويقلل من الضغوط المرتبطة بالملف الكردي.
ثالثًا: التحديات والمخاطر التي قد تواجه تنفيذ القانون
رغم أن قانون «التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي» يمثل تحولًا مهمًا في إدارة الدولة التركية لملف حزب العمال الكردستاني والقضية الكردية، فإن نجاحه لا يزال مرتبطًا بقدرة الحكومة على تجاوز مجموعة من التحديات السياسية والأمنية والاجتماعية والقانونية. فطبيعة الملف وتعقيداته الممتدة لأكثر من أربعة عقود تجعل من عملية الانتقال من الصراع المسلح إلى التسوية المؤسسية مسارًا محفوفًا بالمخاطر.
1- استمرار الغموض حول مصير “عبد الله أوجلان”
يُعد وضع عبد الله أوجلان، مؤسس حزب «العمال الكردستاني»، أحد أبرز التحديات أمام نجاح العملية، إذ يمثل بالنسبة للجانب الكردي المرجعية الرمزية والسياسية التي أطلقت دعوة التخلي عن السلاح وإنهاء العمل المسلح. وفي المقابل، تستبعد الصيغة الحالية للقانون استفادته بسبب الحكم الصادر بحقه بالسجن المؤبد المشدد. وقد يؤدي ذلك إلى خلق فجوة بين التوقعات الكردية والمسار القانوني الذي تطرحه الحكومة، خصوصًا إذا اعتبرت بعض القوى الكردية أن صاحب الدور الأساسي في إطلاق العملية لم يحصل على مقابل سياسي أو قانوني مناسب، الأمر الذي قد يؤثر على قدرة القيادة السياسية للحزب على ضمان الالتزام الكامل من جميع مكونات التنظيم.
2- صعوبة ضمان تفكيك البنية التنظيمية لحزب «العمال الكردستاني»
يمثل إنهاء العمل المسلح تحديًا مختلفًا عن تفكيك التنظيم بصورة كاملة، إذ يمتلك الحزب شبكات سياسية وإعلامية ومالية واجتماعية ممتدة داخل تركيا وخارجها، إضافة إلى وجود عناصر مرتبطة به في مناطق إقليمية مثل شمال العراق وسوريا؛ لذا نجاح القانون يتوقف على قدرة الدولة على منع إعادة تشكيل هذه الشبكات تحت مسميات جديدة، أو انتقال النشاط من المجال العسكري إلى أشكال أخرى من الضغط السياسي أو الأمني.
3- احتمالية وجود انقسامات داخل حزب «العمال الكردستاني»
لا يمكن افتراض أن جميع عناصر الحزب أو الفصائل المرتبطة به ستلتزم بالمسار الجديد بالدرجة نفسها، إذ قد تظهر تيارات رافضة للتخلي عن السلاح، خصوصًا بين القيادات العسكرية أو العناصر التي بنت نفوذها على استمرار الصراع. ويشكل وجود فصائل غير مقتنعة بالحل السياسي أحد أكبر التحديات، لأنه قد يؤدي إلى عمليات فردية أو هجمات محدودة تهدف إلى إفشال العملية وإعادة إنتاج الصراع.
4- تداعيات العامل الإقليمي
ترتبط القضية الكردية في تركيا بصورة مباشرة بالتطورات في سوريا والعراق، حيث تمتلك التنظيمات الكردية المسلحة امتدادات خارج الحدود التركية. لذا، فإن أي تغيرات إقليمية، خصوصًا في شمال سوريا أو العلاقة بين تركيا والقوى الكردية هناك، قد تؤثر على استقرار المسار الداخلي. فنجاح القانون داخل تركيا لا يعني بالضرورة انتهاء التحدي الأمني إذا بقيت البنية العسكرية والتنظيمية المرتبطة بحزب «العمال الكردستاني» موجودة خارج الحدود.
رابعًا: السيناريوهات المستقبلية لمسار عملية تركيا خالية من الإرهاب
1- نجاح جزئي وتحول العملية إلى تسوية أمنية محدودة (الأكثر ترجيحًا)
يقوم هذا السيناريو على نجاح الدولة التركية وحزب «العمال الكردستاني» في تنفيذ الجزء الأساسي من التفاهمات المتعلقة بوقف النشاط المسلح ونزع السلاح، ما يؤدي إلى تراجع ملموس في مستوى التهديدات الأمنية، من دون أن يتحول ذلك إلى تسوية سياسية شاملة أو إعادة صياغة كاملة للعلاقة بين الدولة والمكون الكردي.
وبموجب هذا السيناريو، تم إقرار مشروع القانون داخل البرلمان، وبداية مرحلة انتقالية يتم خلالها استقبال العناصر التي تتخلى عن السلاح وفق شروط قانونية محددة، مع استمرار استثناء القيادات العليا والعناصر المتورطة في تنفيذ عمليات إرهابية من أي ترتيبات قانونية خاصة. إلا أن العملية قد تواجه صعوبات في الانتقال من مرحلة تفكيك البنية المسلحة إلى مرحلة بناء توافق سياسي واجتماعي أوسع حول مستقبل القضية الكردية، خصوصًا وأن الحكومة التركية تنظر إلى العملية بالأساس من منظور أمني يهدف إلى إنهاء التهديد المسلح ومنع عودة حزب العمال الكردستاني إلى العمل العسكري، بينما قد تطمح بعض القوى الكردية إلى توسيع نطاق العملية لتشمل أبعادًا سياسية وثقافية تتجاوز ملف نزع السلاح.
2- نجاح العملية وتحولها إلى تسوية تاريخية شاملة (محتمل)
يعتمد هذا السيناريو على نجاح مسار “تركيا خالية من الإرهاب” في تجاوز البعد الأمني الضيق، والتحول إلى تسوية تاريخية شاملة تنهي الصراع المسلح مع حزب «العمال الكردستاني»، وتعيد صياغة العلاقة بين الدولة التركية والمكون الكردي ضمن إطار سياسي وقانوني جديد، في ظل نجاح البرلمان التركي في إقرار القانون الإطاري، والتزام حزب «العمال الكردستاني» الكامل بحل بنيته التنظيمية المسلحة وتسليم السلاح وإنهاء أي نشاط عسكري داخل تركيا وخارجها، إلى جانب قدرة الدولة على إدارة مرحلة ما بعد الصراع عبر سياسات تتجاوز الإجراءات الأمنية لتشمل الإصلاحات السياسية والتنمية الاقتصادية وتعزيز الاندماج الاجتماعي.
وفي هذه الحالة، لا تقتصر العملية على تفكيك التنظيم المسلح، وإنما تنتقل إلى مرحلة إعادة تعريف القضية الكردية باعتبارها ملفًا سياسيًا واجتماعيًا يُدار داخل مؤسسات الدولة، وليس عبر أدوات العنف أو التنظيمات المسلحة.
3- تعثر العملية وانهيار المسار الجديد (ضعيف)
يفترض هذا السيناريو فشل الأطراف المعنية في استكمال مراحل تنفيذ عملية “تركيا خالية من الإرهاب”، سواء نتيجة انهيار التفاهمات السياسية بين الحكومة والأحزاب الداعمة للمسار، أو عدم التزام حزب «العمال الكردستاني» بالتخلي الكامل عن السلاح، أو تعرض العملية لهجمات وأزمات أمنية تعيد إحياء منطق المواجهة. ويعني تحقق هذا السيناريو عودة الملف الكردي إلى دائرة الإدارة الأمنية التقليدية بعد أن كان قد انتقل إلى مرحلة التشريع البرلماني، بما يؤدي إلى تجميد أو إلغاء القانون الإطاري، واستعادة المؤسسات الأمنية والعسكرية للدور المركزي في إدارة الملف.
ورغم أن هذا السيناريو يبدو الأقل احتمالًا في ظل وجود خطوات عملية مثل إعلان حل التنظيم، وبدء انسحاب عناصره من بعض المواقع، إلا أنه يظل قائمًا بالنظر إلى الطبيعة المعقدة للصراع الممتد لأكثر من أربعة عقود، ووجود أطراف داخلية وإقليمية قد تتضرر مصالحها من إنهاء المسار.
وختامًا يمكن القول إن … قانون “التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي” لا يمكن اختزاله في كونه مجرد إجراء قانوني لإنهاء نشاط حزب «العمال الكردستاني»، كما لا يمكن اعتباره في الوقت ذاته تسوية سياسية شاملة للقضية الكردية بكل أبعادها. بل يبدو أنه يمثل نقطة التقاء بين مسارين متوازيين: مسار أمني-قانوني يهدف إلى إنهاء الصراع المسلح، ومسار سياسي أوسع يهدف إلى إعادة ترتيب التوازنات داخل النظام السياسي التركي.
وعليه فإن السيناريو الأكثر احتمالًا ليس تحول تركيا مباشرة إلى مرحلة “المصالحة التاريخية الشاملة”، وإنما نجاح تدريجي في تفكيك البنية المسلحة للحزب، مقابل استمرار التفاوض السياسي حول القضايا الأوسع المرتبطة بالهوية والمشاركة السياسية؛ إذ يُعد القانون من ناحية محاولة جادة لإنهاء أطول صراع مسلح داخلي في تاريخ الجمهورية التركية، ومن ناحية أخرى أداة لإعادة هندسة المشهد السياسي عبر نقل القضية الكردية من المجال الأمني إلى المجال السياسي تحت شروط الدولة التركية. ويبقى العامل الحاسم في نجاح التجربة هو قدرة الأطراف المختلفة على تجاوز منطق المكاسب الحزبية قصيرة المدى، وتحويل القانون من مجرد آلية لنزع السلاح إلى بداية لمسار سياسي واجتماعي أكثر استدامة.




