شكل توقيع المملكة المغربية اتفاقية الانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة في منتصف يوليو 2026 تطورًا جديدًا في مسار الترتيبات المطروحة لمرحلة “اليوم التالي” للحرب. ويأتي هذا التطور في سياق جهود دولية وإقليمية متواصلة لبحث آليات إدارة المرحلة الانتقالية في القطاع، في ظل استمرار الجدل بشأن مستقبل المنظومة الأمنية، وإعادة الإعمار، وشكل الإدارة الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة.
وقد طرح إنشاء قوة الاستقرار الدولية منذ الإعلان عنه نقاشًا واسعًا، نظرًا لطبيعة المهام المنوطة بها، وحدود تفويضها، وعلاقتها بالمؤسسات الفلسطينية، فضلًا عن انعكاساتها المحتملة على موازين القوى داخل القطاع. كما تباينت مواقف الأطراف الإقليمية والدولية تجاه هذه المبادرة، بين من ينظر إليها باعتبارها آلية مؤقتة لإدارة المرحلة الانتقالية، ومن يرى أنها قد تفتح المجال أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تثير إشكاليات تتعلق بالسيادة الفلسطينية ومستقبل القضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، يكتسب قرار المغرب الانضمام إلى القوة الدولية أهمية تحليلية، وذلك بالنظر إلى ما يعكسه من تطور في توجهات السياسة الخارجية المغربية، وما يطرحه من تساؤلات بشأن دوافع هذا الانخراط، وحدود الدور المتوقع للمغرب، وتأثيره المحتمل على علاقاته الإقليمية والدولية، وعلى موقعه في القضايا المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وانطلاقًا من ذلك، تنطلق هذه الورقة البحثية من فرضية مفادها أن المشاركة المغربية في قوة الاستقرار الدولية تمثل تطورًا يستدعي قراءة أبعاده السياسية والاستراتيجية، في ضوء طبيعة القوة الدولية، والسياق الإقليمي المحيط بها، والمصالح التي قد تسعى الأطراف المختلفة إلى تحقيقها من خلال ترتيبات “اليوم التالي”. وتركز الدراسة على تحليل الخلفيات التي أفضت إلى إنشاء القوة، ودوافع الانضمام المغربي، والتحديات المرتبطة بهذه المشاركة، فضلًا عن استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبلها.
أولًا: من المبادرات السياسية إلى توقيع اتفاقية الانضمام… كيف أصبح المغرب جزءًا من ترتيبات “اليوم التالي”؟
جاء توقيع المغرب على اتفاقية الانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية في إطار ترتيبات دولية متسارعة تتعلق بمرحلة “اليوم التالي” وإدارة القطاع عقب انتهاء العمليات العسكرية. فقد شهدت الأشهر الأخيرة تبلور مقاربات متعددة لإدارة المرحلة الانتقالية، كان من أبرزها إنشاء قوة دولية تتولى الإشراف على عدد من المهام الأمنية والإنسانية داخل القطاع، في ظل استمرار الخلافات بشأن مستقبل السلطة الفلسطينية، وآليات إعادة الإعمار، وترتيبات الأمن بعد الحرب.
وقد بدأت هذه الترتيبات مع طرح الإدارة الأمريكية تصورًا لإنهاء الحرب تضمن إنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة، قبل أن تتطور الفكرة لاحقًا إلى إطار دولي أكثر تنظيمًا عقب صدور قرار مجلس الأمن الذي أجاز تشكيل هذه القوة ومنحها صلاحيات واسعة تتعلق بتأمين المناطق الحدودية، والمساهمة في تثبيت البيئة الأمنية، وحماية المدنيين، والإشراف على إجراءات نزع السلاح ومنع إعادة التسلح. إلا أن طبيعة هذه الصلاحيات أثارت منذ البداية نقاشًا واسعًا حول حدود التفويض الممنوح للقوة، وما إذا كانت تمثل عملية تقليدية لحفظ السلام، أم نموذجًا جديدًا للإدارة الأمنية الدولية في قطاع غزة.
وفي هذا السياق، اكتسب اجتماع واشنطن أهمية خاصة، إذ مثّل نقطة انتقال من مرحلة التصورات السياسية إلى مرحلة الإعداد العملي لتشكيل القوة الدولية، حيث أعلنت عدد من الدول استعدادها للمساهمة في الجوانب المالية أو الأمنية أو اللوجستية. وكان المغرب من بين أوائل الدول العربية التي أعلنت بصورة علنية استعدادها للمشاركة في هذه الترتيبات، من خلال مساهمة لا تقتصر على الجانب المالي، وإنما تشمل كذلك تدريب عناصر شرطية فلسطينية، وإيفاد ضباط عسكريين، وإنشاء مستشفى ميداني، وتنفيذ برامج مرتبطة بمكافحة التطرف.
وجاء توقيع اتفاقية الانضمام ليؤكد انتقال الموقف المغربي من مرحلة إعلان الاستعداد السياسي إلى مرحلة الانخراط المؤسسي في القوة الدولية. كما عكست التحركات اللاحقة، ومنها إرسال وفود عسكرية استطلاعية والإعداد لاستضافة برامج تدريب للقوة متعددة الجنسيات، أن الرباط باتت تنظر إلى مشاركتها باعتبارها جزءًا من دور إقليمي أوسع في ترتيبات ما بعد الحرب، وليس مجرد مساهمة رمزية في بعثة دولية.
غير أن أهمية هذه الخطوة لا ترتبط بالمشاركة المغربية في حد ذاتها، بقدر ما ترتبط بطبيعة القوة الدولية نفسها. فبعكس بعثات حفظ السلام التقليدية التابعة للأمم المتحدة، تتمتع القوة المقترحة، وفقًا للتفويض المعلن، بصلاحيات تنفيذية تتجاوز الفصل بين الأطراف المتحاربة أو مراقبة وقف إطلاق النار، لتشمل المساهمة في إعادة تشكيل البيئة الأمنية داخل القطاع، والإشراف على ترتيبات نزع السلاح، ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل المسلحة. وهو ما دفع إلى التساؤل حول ما إذا كانت هذه القوة تمثل بالفعل آلية مؤقتة لتثبيت الاستقرار، أم أنها قد تتحول إلى إطار لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة بما يعيد توزيع مراكز القوة والشرعية داخل القطاع.
كما يثير هذا النموذج إشكاليات قانونية وسياسية معقدة، تتعلق بحدود التوفيق بين مقتضيات الأمن ومتطلبات السيادة الفلسطينية. فإسناد اختصاصات ذات طابع تنفيذي إلى قوة دولية يعني عمليًا نقل جزء من صلاحيات إدارة الملف الأمني إلى جهة خارجية خلال المرحلة الانتقالية، وهو ما يجعل نجاح هذه القوة مرهونًا ليس فقط بقدراتها العسكرية، وإنما أيضًا بمدى قبول الأطراف الفلسطينية والإقليمية والدولية لطبيعة الدور الذي ستضطلع به، وحدود ولايتها الزمنية والسياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن توقيع المغرب اتفاقية الانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية لا يمكن قراءته باعتباره قرارًا عسكريًا فقط، بل باعتباره تموضعًا سياسيًا واستراتيجيًا داخل إحدى أكثر المبادرات الدولية إثارةً للجدل في مرحلة ما بعد الحرب. فالمشاركة المغربية تضع الرباط أمام فرصة لتعزيز حضورها الدبلوماسي والإقليمي، لكنها في الوقت نفسه تضعها أمام تحديات معقدة ترتبط بطبيعة التفويض الدولي، ومواقف الأطراف الفلسطينية، وتوازنات الإقليم، وحدود إمكانية تحقيق الاستقرار في بيئة ما تزال تفتقر إلى تسوية سياسية شاملة.
ثانيًا: أبعاد المشاركة المغربية في “قوة الاستقرار الدولية” (FIS):
- تعزيز المكانة الدبلوماسية للمغرب: يسعى المغرب إلى ترسيخ صورته كفاعل قادر على الإسهام في إدارة الأزمات الإقليمية، وليس مجرد طرف يكتفي بإصدار التصريحات والمواقف السياسية، وهو ما ينسجم مع مشاركاته السابقة في عمليات حفظ السلام الأممية. وتجدر الإشارة إلى أن القوات المغربية شاركت لعقود في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ( إفريقيا…كوسوفو، البوسنة والهرسك..)، وهو ما يمنحها خبرة في العمل ضمن بيئات متعددة الجنسيات، والتعامل مع مهام تتراوح بين حفظ الأمن ودعم الاستقرار.
- تعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة والشركاء الغربيين: تعتبر هذه الخطوة تجسيدًا للتحالف الاستراتيجي والعملي بين الرباط وواشنطن، خاصة في سياق اتفاقيات أبراهام وتطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل. فقد مثّل استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية في نهاية عام 2020 نقطة تحول في مسار التعاون الثنائي، إذ انتقل من المستوى الدبلوماسي إلى بناء شراكة أمنية وعسكرية متنامية. وفي هذا السياق، وقع الطرفان في نوفمبر 2021 مذكرة تفاهم دفاعية أسست لإطار مؤسساتي للتعاون بين وزارتي الدفاع، شملت تبادل الخبرات، والتنسيق العسكري، والتعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الأمنية. كما عزز هذا المسار توقيع اتفاق للتعاون في مجال الأمن السيبراني خلال العام نفسه، قبل أن يمتد لاحقاً إلى مجالات التسليح، والطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الحديثة، بما يعكس اتجاهاً نحو تعميق الشراكة الأمنية بين البلدين.
- الحفاظ على التوازن في السياسة الخارجية المغربية، فالمغرب يحاول الجمع بين دعمه التقليدي للقضية الفلسطينية باعتبار مركزية القضية الفلسطينية في أجندة السياسة الخارجية المغربية، وعلاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بعد استئناف العلاقات عام 2020. لدا فإن المشاركة المغربية في مهمة ذات طابع دولي وإنساني وأمني قد تُقدَّم باعتبارها مساهمة في حماية المدنيين وإعادة الاستقرار، وليس انحيازاً لطرف ضد آخر.
- توسيع الحضور المغربي في قضايا الشرق الأوسط: على الرغم من البعد الجغرافي للمغرب عن منطقة الشرق الأوسط، فإن القضية الفلسطينية ظلت تمثل أحد الثوابت في السياسة الخارجية المغربية، نظرًا لارتباطها بالأبعاد العربية والإسلامية للمملكة. فمنذ تولي الملك محمد السادس العرش عام 1999، اتسمت السياسة الخارجية المغربية بقدر من الحذر تجاه الانخراط المباشر في أزمات الشرق الأوسط، مع التركيز بصورة أكبر على الأولويات الوطنية، وتعزيز الحضور في الفضاءين الأفريقي والمتوسطي. ومع ذلك، حافظت الرباط على اهتمامها بالقضية الفلسطينية، سواء على المستوى السياسي أو الإنساني. ويستند هذا الاهتمام إلى جملة من الاعتبارات، في مقدمتها رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، وهو ما يمنح المغرب دورًا مؤسسيًا في متابعة التطورات المتعلقة بمدينة القدس والقضية الفلسطينية. كما تضطلع وكالة بيت مال القدس الشريف بدور تنموي وإنساني من خلال تنفيذ مشروعات في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والرعاية الاجتماعية، ودعم الفئات الأكثر احتياجًا في القدس، بما يعكس استمرار الحضور المغربي في دعم الفلسطينيين عبر أدوات مدنية وتنمويوفي هذا السياق، قد يُنظر إلى الانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية باعتباره امتدادًا لمحاولة توسيع نطاق الحضور المغربي في الملف الفلسطيني، من خلال الانتقال من أدوار سياسية وإنسانية إلى مساهمة في ترتيبات المرحلة الانتقالية، إذا ما تمت هذه المشاركة ضمن إطار قانوني يحظى بقبول الأطراف المعنية. وفي المقابل، يظل هذا التوجه مرهونًا بمدى قدرة المغرب على الموازنة بين دوره التقليدي في دعم القضية الفلسطينية وبين مقتضيات الانخراط في ترتيبات أمنية ودولية معقدة، بما يحافظ على مصداقية سياسته الخارجية وتوازن علاقاته الإقليمية.
- البعد السياسي والديني: والذي يمثل أحد المحددات التي يمكن أن تفسر انخراط المغرب في قوة الاستقرار الدولية. فالملك محمد السادس يتمتع بمكانة دستورية ودينية بصفته أمير المؤمنين، وهو ما يضفي بعدًا رمزيًا على السياسة الخارجية المغربية في القضايا ذات الارتباط العربي والإسلامي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وفي الوقت ذاته، يرتبط المغرب بعلاقات رسمية مع إسرائيل، في حين لا يمتلك قنوات اتصال مباشرة مع حركة حماس، وهو ما قد يتيح له هامشًا للتحرك ضمن ترتيبات دولية متعددة الأطراف إذا ما توافرت التوافقات السياسية اللازمة. إلا أن فاعلية هذا الدور ستظل مرهونة بطبيعة المهمة، وحدود التفويض الممنوح للقوة الدولية، ومدى قبول الأطراف الفلسطينية والإقليمية لهذه الترتيبات. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الانضمام المغربي باعتباره تطورًا في أدوات السياسة الخارجية للمملكة، من خلال الانتقال من الاقتصار على الأدوار الدبلوماسية والإنسانية إلى المساهمة في ترتيبات أمنية متعددة الأطراف مرتبطة بمرحلة “اليوم التالي” للحرب. غير أن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطًا بقدرة المغرب على تحقيق توازن بين التزاماته الدولية، ومواقفه التقليدية تجاه القضية الفلسطينية، وتجنب الانخراط في ترتيبات قد تثير حساسيات سياسية أو إقليمية.
ثالثًا: تحديات المشاركة المغربية في قوة الاستقرار الدولية
يترتب عن انضمام المغرب إلى قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة مجموعة من التحديات.. يمكن إجمالها:
- الرهان على الاستقرار السياسي: يرتبط نجاح قوة الاستقرار الدولية بتوافر حد أدنى من التوافق السياسي بين الأطراف المعنية، وهو شرط لا يزال غائبًا في ظل استمرار الخلافات بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بشأن ترتيبات “اليوم التالي”. ومن ثم، فإن غياب هذا التوافق قد يحد من فاعلية القوة ويؤثر في قدرتها على تنفيذ مهامها. كما تشير بعض التقديرات إلى أن استكمال ترتيبات إنشاء المنطقة الإنسانية، التي يُتوقع أن تتولى القوات المغربية جانبًا من مهام تأمينها، قد لا يتحقق قبل عام 2027، بما يعكس ارتباط نجاح المهمة بتطورات المسار السياسي إلى جانب الاعتبارات الأمنية.
- الطبيعة غير التقليدية للقوة: فعلى الرغم من أن القوة تستند إلى تفويض صادر عن مجلس الأمن، فإنها لا تعمل ضمن الهيكل المؤسسي التقليدي لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وإنما تُدار وفق نموذج قيادي هجين يعتمد على ترتيبات متعددة الأطراف تجمع بين الدول المشاركة والجهات الدولية والإقليمية المعنية. ويترتب على ذلك وجود فصل بين مصدر الشرعية القانونية، المستمد من قرار مجلس الأمن، وآليات القيادة والتشغيل الميداني، التي لا تخضع للسلسلة القيادية المعتادة لبعثات الأمم المتحدة. وتثير هذه الطبيعة الهجينة عددًا من الإشكاليات العملياتية، لاسيما فيما يتعلق بتعدد مراكز اتخاذ القرار وتداخل المرجعيات القيادية. فقد يجد العنصر العسكري المغربي نفسه خاضعًا في الوقت ذاته لتوجيهات القيادة الوطنية، وقيادة القوة متعددة الجنسيات، وآليات التنسيق السياسي والإقليمي، فضلًا عن ترتيبات التنسيق الميداني مع الأطراف الفاعلة في قطاع غزة. ومن شأن هذا التعدد أن يزيد من احتمالات تضارب الأوامر، أو اختلاف تفسير قواعد الاشتباك، أو تأخر اتخاذ القرار في المواقف الميدانية الحرجة. كما أن غياب سلسلة قيادة موحدة وواضحة قد يطرح تحديات قانونية وتنظيمية تتعلق بتحديد المسؤوليات وآليات المساءلة، وهي اعتبارات تكتسب أهمية خاصة في بيئة عملياتية معقدة مثل قطاع غزة، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية. ومن ثم، فإن نجاح المشاركة المغربية لن يرتبط فقط بكفاءة القوات المشاركة، وإنما أيضًا بمدى وضوح هيكل القيادة، ودقة توزيع الاختصاصات، وفاعلية آليات التنسيق بين مختلف الأطراف المنخرطة في المهمة.
- التعقيدات القانونية واللوجستية : تواجه المشاركة المغربية تحديات قانونية ولوجستية قد تؤثر في سرعة وفاعلية تنفيذ المهمة. فمن الناحية الإجرائية، يتطلب نشر القوات إبرام اتفاقيات وضع القوات (SOFA) مع إسرائيل، وهو ما قد يستغرق وقتًا ويؤخر الانتشار. كما أن تعقيدات المشهد الميداني في قطاع غزة، واستمرار هشاشة وقف إطلاق النار، وتعدد الفاعلين المسلحين، تزيد من احتمالات تعرض القوة لمواقف أمنية معقدة. وعلى الصعيد القانوني، تثير طبيعة التفويض الممنوح للقوة الدولية تساؤلات بشأن حدود التوفيق بين الشرعية الدولية والسيادة الفلسطينية، لاسيما مع إسناد بعض المهام الأمنية إلى قوة متعددة الجنسيات خلال المرحلة الانتقالية. كما أن اتساع اختصاصات القوة لتشمل جوانب أمنية وتنظيمية يجعلها أقرب إلى نموذج الإدارة الأمنية الانتقالية منه إلى بعثات حفظ السلام التقليدية، وهو ما يفرض ضرورة تحديد نطاق التفويض ومدته بصورة واضحة، بما يضمن عدم تحول الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم يؤثر في إدارة الفلسطينيين لشؤونهم الأمنية.
- غياب التوافق بين الأطراف المتنازعة: تمثل تباينات مواقف الأطراف الرئيسية أحد أبرز التحديات التي قد تواجه عمل قوة الاستقرار الدولية. فرغم موافقة حركة حماس على تسليم سلاحها، فإن تنفيذ أي عملية لنزع السلاح بمعزل عن انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة قد يثير إشكاليات تتعلق بقبول الترتيبات الأمنية الجديدة واستدامتها. وفي المقابل، تدعم الحكومة الإسرائيلية مسار نزع السلاح، لكنها تتمسك بحقها في التدخل العسكري إذا رأت أن العملية لم تحقق أهدافها أو في حال وجود مؤشرات على إعادة تسلح الفصائل الفلسطينية. ويعكس هذا التباين في المواقف اختلافًا في تصورات الأطراف لمتطلبات المرحلة الانتقالية، وهو ما قد يحد من فرص التوصل إلى تفاهمات مستقرة، ويزيد من تعقيد البيئة العملياتية التي ستعمل فيها القوة الدولية. كما قد ينعكس ذلك على مستوى التعاون الذي تتلقاه القوة من الأطراف المحلية، الأمر الذي قد يؤثر في قدرتها على تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة وفاعلية.
- التموضع في سياق إقليمي متحفظ: تواجه المشاركة المغربية تحديًا يتمثل في تباين مواقف الدول العربية والإقليمية تجاه قوة الاستقرار الدولية. فبينما أبدى المغرب استعداده للمشاركة، فضلت دول أخرى التريث وربط أي مساهمة بوجود مسار سياسي واضح يحدد مستقبل قطاع غزة. وفي هذا السياق، أعلن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في أكتوبر 2025 رفض بلاده المشاركة في القوة، مؤكدًا أن أي وجود دولي يجب أن يندرج في إطار حفظ السلام لا فرضه. ويضع هذا التباين المغرب في موقع متقدم ضمن الدول المنخرطة في ترتيبات “اليوم التالي”، لكنه قد يفرض عليه في المقابل مسؤوليات وضغوطًا سياسية أكبر، في ظل غياب توافق إقليمي واسع حول طبيعة المهمة وأهدافها. كما أن استمرار الغموض بشأن بعض الجوانب المتعلقة بتفويض القوة، وقواعد الاشتباك، وآليات القيادة، وحجم المساهمات العسكرية للدول المشاركة، يضيف مزيدًا من عدم اليقين إلى البيئة التي ستعمل فيها، ويجعل تقييم فرص نجاحها مرتبطًا بمدى وضوح هذه الترتيبات خلال المرحلة المقبلة.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة لمستقبل المشاركة المغربية في قوة الاستقرار الدولية
يرتبط مستقبل الدور المغربي في قوة الاستقرار الدولية بمجموعة من المتغيرات السياسية والأمنية التي لا تزال قيد التشكل، وفي مقدمتها مسار الحرب، ومستقبل التوافق الفلسطيني، وطبيعة الدور الذي ستؤديه القوة الدولية، ومدى استمرار الدعم الدولي والإقليمي لها. وفي ضوء هذه المتغيرات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الاول: نجاح جزئي واستمرار حالة عدم الاستقرار (الأكثر ترجيحًا)
يفترض هذا السيناريو أن تتمكن القوة الدولية من تنفيذ بعض مهامها الإنسانية والأمنية، لكنها تواجه صعوبات في فرض الاستقرار الكامل نتيجة استمرار الانقسامات ، أو تكرار التوترات الأمنية، أو تعثر مسار التسوية السياسية واستمرار إسرائيل في اختراق وقف إطلاق النار. وفي هذه الحالة، ستتحول مهمة القوة إلى إدارة أزمة ممتدة بدلًا من إنهائها، بما يفرض ضغوطًا متزايدة على الدول المشاركة، ومنها المغرب، التي ستجد نفسها مطالبة بالاستمرار في مهمة مفتوحة زمنيًا دون تحقيق نتائج حاسمة. ويُعد هذا السيناريو من أكثر السيناريوهات ترجيحًا في ظل تعقيدات البيئة السياسية والأمنية المحيطة بقطاع غزة.
السيناريو الثاني: نجاح المهمة وتعزيز الدور المغربي
يقوم هذا السيناريو على افتراض نجاح القوة الدولية في تنفيذ مهامها الأساسية، واستمرار وقف إطلاق النار، وتوافر توافق سياسي يسمح بإطلاق عملية إعادة الإعمار وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية. وفي هذه الحالة، قد يحقق المغرب عددًا من المكاسب الاستراتيجية، من أبرزها:
- تعزيز مكانته كفاعل إقليمي في إدارة الأزمات.
- توسيع حضوره الدبلوماسي داخل ملفات الشرق الأوسط.
- تعزيز علاقاته مع الشركاء الدوليين المشاركين في القوة.
- اكتساب القوات المسلحة المغربية خبرات إضافية في العمليات متعددة الجنسيات.
غير أن تحقق هذا السيناريو يظل مرهونًا بتوافر توافق سياسي فلسطيني، واستمرار الالتزام الدولي بدعم المرحلة الانتقالية.
السيناريو الثالث: تعثر المهمة أو انهيارها
يقوم هذا السيناريو على احتمال فشل القوة الدولية في أداء مهامها نتيجة انهيار وقف إطلاق النار، أو رفض القوى الفلسطينية المسلحة لوجودها، أو تراجع الدعم الدولي، أو تصاعد الخلافات بين الدول المشاركة. وفي حال تحقق هذا السيناريو، قد تجد الدول المساهمة نفسها أمام خيارات صعبة، تشمل تقليص المشاركة أو إعادة تقييمها أو الانسحاب التدريجي، بما قد ينعكس على مصداقية القوة الدولية ويحد من قدرتها على تحقيق أهدافها المعلنة. أما بالنسبة للمغرب، فقد يفرض هذا السيناريو تحديات دبلوماسية وسياسية، خاصة إذا ارتبطت المهمة بتكاليف بشرية أو أمنية، أو إذا تعرضت لانتقادات داخلية أو إقليمية.
خامسًا: مسارات مقترحة لصانع القرار في المغرب
في ضوء التحولات التي تشهدها ترتيبات “اليوم التالي” في قطاع غزة، وما يحيط بقوة الاستقرار الدولية من تعقيدات قانونية وسياسية وأمنية، فإن نجاح المشاركة المغربية يتطلب تبني مقاربة متوازنة تضمن تعظيم المكاسب الاستراتيجية، مع الحد من المخاطر المحتملة. وفي هذا الإطار، يمكن تقديم التوصيات الآتية:
- ربط المشاركة المغربية بمرجعية قانونية واضحة ومحددة: ينبغي أن تستند أي مشاركة عسكرية أو أمنية إلى تفويض قانوني واضح يحدد بدقة نطاق المهام، وقواعد الاشتباك، وسلسلة القيادة، والإطار الزمني للمهمة، بما يحول دون انزلاق القوات المغربية إلى أدوار تتجاوز طبيعة المهمة المعلنة أو تحملها مسؤوليات سياسية لا تدخل ضمن اختصاصها.
- التأكيد على الطابع الانتقالي للمهمة: يتعين أن تؤكد الرباط، في جميع مواقفها الرسمية، أن مشاركتها تأتي في إطار مرحلة انتقالية محددة زمنيًا، وأنها لا تمثل بديلًا عن المؤسسات الفلسطينية أو مساسًا بحق الفلسطينيين في إدارة شؤونهم الأمنية والسياسية، بما يحافظ على انسجام الموقف المغربي مع دعمه التاريخي للقضية الفلسطينية.
- الحفاظ على التوازن بين الشراكات الدولية والثوابت السياسية: يتطلب نجاح السياسة الخارجية المغربية استمرار التوازن بين تعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة والدول الغربية، وبين الحفاظ على الموقف المغربي الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، بما يجنب المملكة الانخراط في استقطابات إقليمية قد تؤثر في مكانتها العربية والإسلامية.
- تعزيز التنسيق مع الدول العربية والسلطة الفلسطينية: من المهم أن تُدار المشاركة المغربية ضمن إطار من التشاور المستمر مع السلطة الفلسطينية والدول العربية المعنية، ولا سيما مصر والأردن، بما يضمن تكامل الأدوار الإقليمية ويعزز شرعية أي ترتيبات أمنية خلال المرحلة الانتقالية.
- وضع استراتيجية وطنية لإدارة المخاطر: ينبغي إعداد خطة متكاملة لإدارة المخاطر المحتملة، تشمل سيناريوهات تدهور الأوضاع الأمنية، أو تعثر المهمة الدولية، أو تغير طبيعة التفويض، مع وضع آليات واضحة لاتخاذ القرار بشأن تعديل حجم المشاركة أو إعادة تقييمها أو إنهائها إذا اقتضت الضرورات الوطنية ذلك.
- الفصل بين الأدوار الأمنية والإنسانية: يفضل أن يركز المغرب على المجالات التي يمتلك فيها خبرة متراكمة، مثل التدريب، والدعم الطبي، والمساعدات الإنسانية، وبناء القدرات المؤسسية، بما يعزز صورته كفاعل يسهم في الاستقرار وإعادة الإعمار، ويحد من احتمالات انخراطه في مهام قتالية أو نزاعات ميدانية مباشرة.
- إجراء مراجعة دورية للمشاركة المغربية: يوصى بإنشاء آلية وطنية لتقييم المشاركة المغربية بصورة دورية، تقيس مدى تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وتتابع تطورات البيئة السياسية والأمنية، وتقدم توصيات مستمرة لصانع القرار بشأن تطوير المشاركة أو إعادة توجيهها وفقًا لمتغيرات المشهد.
- توظيف المشاركة لتعزيز الحضور الدبلوماسي المغربي: إذا استمرت المشاركة المغربية، فينبغي استثمارها لتعزيز الدور السياسي للمملكة في جهود إعادة الإعمار، ودعم المصالحة الفلسطينية، والمساهمة في المبادرات الإقليمية الرامية إلى تحقيق تسوية سياسية مستدامة، بحيث تصبح المشاركة الأمنية جزءًا من رؤية دبلوماسية أشمل، وليست غاية في حد ذاتها.
وختامًا يمكن القول.. يكشف انضمام المغرب إلى قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة عن تحول لافت في طبيعة أدواره الإقليمية، إذ لم يعد يقتصر على الدعم السياسي والإنساني للقضية الفلسطينية، وإنما أصبح طرفًا في إحدى أكثر المبادرات الدولية تعقيدًا في مرحلة ما بعد الحرب. ورغم ما قد يوفره هذا الانخراط من فرص لتعزيز المكانة الدبلوماسية للمملكة وتوسيع حضورها في ملفات الأمن الإقليمي، فإنه يضعها في مواجهة تحديات تتعلق بطبيعة التفويض الدولي، وتعقيدات المشهد الفلسطيني، وتوازنات الإقليم. ومن ثم، فإن نجاح المشاركة المغربية لن يقاس بحجم مساهمتها العسكرية أو اللوجستية، وإنما بقدرتها على الحفاظ على توازن دقيق بين التزاماتها الدولية وثوابتها السياسية، وبمدى نجاح القوة الدولية نفسها في أداء مهامها ضمن إطار قانوني واضح، وبتوافق فلسطيني وإقليمي يضمن ألا تتحول ترتيبات “اليوم التالي” إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار.




