أعادت تصريحات السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، بشأن إنشاء شبكة من الممرات تمتد عبر الخليج والعراق وسوريا وتركيا، النقاش حول مستقبل الجغرافيا الاقتصادية في الشرق الأوسط، ليس باعتبارها مجرد رؤية لتطوير البنية التحتية أو تنويع مسارات التجارة والطاقة، وإنما بوصفها مؤشرًا على تحول أوسع في طبيعة التنافس الإقليمي والدولي. فالتصريحات جاءت في سياق تتزايد فيه الجهود الرامية إلى بناء شبكات نقل أكثر مرونة، قادرة على الحد من تأثير الأزمات الجيوسياسية على تدفقات التجارة والطاقة العالمية، في ظل استمرار التوترات في الخليج والبحر الأحمر، وتنامي المخاوف المرتبطة بأمن الممرات البحرية التقليدية.
ولا تمثل هذه الطروحات، في حد ذاتها، إعلانًا عن استراتيجية أمريكية مكتملة، كما أن تنفيذها يظل مرهونًا بجملة من الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية. إلا أنها تعكس اتجاهًا متزايدًا لدى عدد من القوى الدولية والإقليمية نحو توظيف مشروعات الربط الاقتصادي والممرات العابرة للحدود باعتبارها أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى، وتعزيز النفوذ، وبناء أنماط جديدة من الاعتماد الاقتصادي المتبادل، بما يتجاوز الوظائف التقليدية للبنية التحتية.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تسارعًا في المبادرات الهادفة إلى إنشاء ممرات جديدة للنقل والطاقة، سواء عبر العراق وتركيا، أو من خلال مشاريع تربط الخليج بشرق المتوسط وأوروبا، بالتوازي مع مبادرات دولية أخرى، مثل مشروع «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» (IMEC)، واستمرار الصين في تطوير مبادرة «الحزام والطريق». ويعكس هذا التزامن انتقال المنافسة الدولية من التركيز على السيطرة على الممرات البحرية إلى التنافس على هندسة شبكات الربط الاقتصادي متعددة المسارات، بما يقلل من الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية، ويمنح الدول المشاركة فيها مزايا استراتيجية واقتصادية متزايدة.
وانطلاقًا من ذلك، تفترض هذه الورقة أن المنافسة على الممرات الاقتصادية في الشرق الأوسط لم تعد تقتصر على تأمين تدفقات التجارة والطاقة، وإنما أصبحت إحدى الأدوات الرئيسة لإعادة توزيع النفوذ الجيوسياسي في المنطقة، من خلال إعادة تعريف الأهمية الاستراتيجية للدول الواقعة على مسارات الربط الجديدة، وإعادة تشكيل شبكات المصالح الإقليمية والدولية. وفي ضوء هذه الفرضية، تسعى الورقة إلى الإجابة عن السؤال الرئيس التالي: إلى أي مدى يمكن أن تسهم الممرات الاقتصادية الجديدة في إعادة تشكيل خرائط النفوذ والتوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، تستعرض الورقة أبرز المحددات التي قد تحكم مستقبل هذه الممرات، ثم تناقش السيناريوهات المحتملة لتطورها، وصولًا إلى تقدير الاتجاه الأكثر ترجيحًا في ضوء المعطيات الراهنة.
أولًا: إعادة تعريف أمن الطاقة والتجارة العالمية
أصبح أمن الطاقة في البيئة الدولية الراهنة يعتمد بصورة متزايدة على تنويع مسارات النقل وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الجيوسياسية. فقد أظهرت التطورات التي شهدتها منطقة الخليج والبحر الأحمر خلال الأعوام الأخيرة أن اضطراب حركة الملاحة في ممر بحري واحد قد ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، حتى في غياب تعطّل فعلي للإنتاج. وهو ما دفع العديد من الدول المستوردة للطاقة والقوى الكبرى إلى إعادة تقييم مفهوم أمن الإمدادات، ليشمل أمن المسارات التي تنقل النفط والغاز والبضائع، وليس فقط أمن مصادرها.
وفي هذا السياق، تنظر للممرات الاقتصادية بوصفها أدوات استراتيجية تمنح الدول قدرة أكبر على إدارة المخاطر الجيوسياسية. فكلما تنوعت مسارات النقل، تراجعت قدرة أي طرف منفرد على التأثير في تدفقات التجارة والطاقة عبر التهديد بإغلاق ممر أو تعطيل حركة الملاحة فيه. ومن ثم، أصبحت مشروعات الربط البري وخطوط الأنابيب وشبكات السكك الحديدية تمثل جزءًا من استراتيجيات الأمن القومي والاقتصادي للدول، وليس مجرد استثمارات في البنية التحتية.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في الشرق الأوسط، الذي يضم عددًا من أبرز الممرات البحرية العالمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، فضلًا عن احتضانه نسبة كبيرة من احتياطيات النفط والغاز العالمية. ورغم استمرار الأهمية الاستراتيجية لهذه الممرات، فإن تكرار الأزمات الأمنية المرتبطة بها عزز القناعة لدى العديد من الفاعلين الدوليين بضرورة تطوير بدائل تقلل من آثار أي اضطراب محتمل، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن المسارات التقليدية أو تراجع دورها بصورة كاملة.
وتعكس الطروحات الأمريكية الأخيرة بشأن تطوير شبكة ممرات تمتد عبر الخليج والعراق وسوريا وتركيا هذا التحول في التفكير الاستراتيجي. فهذه الرؤية لا تستهدف إنشاء بديل مباشر لمضيق هرمز أو غيره من الممرات البحرية، بقدر ما تسعى إلى بناء منظومة نقل أكثر مرونة، تسمح بإعادة توزيع حركة التجارة والطاقة بين أكثر من مسار، بما يحد من تأثير الأزمات الإقليمية على الأسواق العالمية. كما تنسجم هذه الرؤية مع اتجاه أوسع لدى الولايات المتحدة وشركائها نحو تقليل الاعتماد على الممرات التي يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط في أوقات الأزمات.
وفي المقابل، لا يقتصر أثر هذا التحول على الجوانب الاقتصادية، بل يمتد إلى إعادة صياغة موازين النفوذ الإقليمي. فالدول التي تنجح في التحول إلى عقد رئيسية ضمن شبكات الربط الجديدة ستكتسب أهمية استراتيجية متزايدة، بما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في حركة التجارة والطاقة، ويعزز مكانتها في التفاعلات الإقليمية والدولية. ومن ثم، لا تبدو المنافسة الحالية حول الممرات الاقتصادية مجرد تنافس على مشروعات بنية تحتية، وإنما تعكس تحولًا في طبيعة أدوات القوة، حيث أصبحت القدرة على ربط الاقتصادات والتحكم في مسارات التدفقات التجارية عنصرًا لا يقل أهمية عن السيطرة على الممرات البحرية أو امتلاك القدرات العسكرية التقليدية.
ثانيًا: العراق بوصفه العقدة الجغرافية للممرات الجديدة
يكتسب العراق أهمية متزايدة في التصورات المتعلقة بإعادة تشكيل شبكات النقل والطاقة في الشرق الأوسط، انطلاقًا من موقعه الجغرافي الذي يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا، ويتيح، نظريًا، إنشاء مسارات متعددة نحو البحر المتوسط وأوروبا. وقد أدى هذا الموقع إلى تنامي الاهتمام الإقليمي والدولي بإعادة دمج العراق في منظومات الربط الاقتصادي، باعتباره نقطة التقاء بين عدد من المبادرات الاستراتيجية، وليس مجرد دولة منتجة للطاقة.
ويعزز هذا الاتجاه سعي الحكومة العراقية إلى توظيف موقع البلاد الجغرافي في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على العائدات النفطية، من خلال تطوير مشاريع النقل واللوجستيات، وفي مقدمتها مشروع «طريق التنمية»، الذي يهدف إلى ربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية عبر شبكة من السكك الحديدية والطرق السريعة. وإذا نجح المشروع في تجاوز تحدياته التنفيذية، فقد يمنح العراق دورًا أكبر في حركة التجارة الإقليمية، ويعيد توجيه جزء من التدفقات التجارية بين الخليج وأوروبا عبر أراضيه.
وفي السياق ذاته، تتقاطع هذه المشاريع مع جهود أوسع لإعادة هيكلة قطاع الطاقة العراقي، سواء عبر زيادة الاستثمارات في إنتاج الغاز الطبيعي وتقليل الاعتماد على الواردات، أو من خلال تطوير منافذ تصدير جديدة للنفط والغاز. كما عاد الحديث عن إعادة تأهيل بعض خطوط الأنابيب التاريخية، وتوسيع إمكانات الربط مع تركيا والأردن، بما يمنح بغداد خيارات أوسع للوصول إلى الأسواق العالمية، ويقلل من اعتمادها على مسار تصدير واحد.
غير أن الأهمية الاستراتيجية للعراق لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي، وإنما أيضًا من كونه ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. فالولايات المتحدة تنظر إلى دمج العراق في شبكات اقتصادية إقليمية باعتباره وسيلة لتعزيز استقراره، وتقليص اعتماده الاقتصادي على إيران، وتعزيز ارتباطه بشركاء إقليميين جدد. وفي المقابل، ترى إيران أن الحفاظ على نفوذها داخل العراق يمثل ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية، وهو ما يجعل أي تحولات في شبكات النقل والطاقة مرتبطة أيضًا بالتوازنات السياسية والأمنية داخل البلاد.
كما أن نجاح العراق في التحول إلى عقدة رئيسية للممرات الإقليمية سيظل مرتبطًا بقدرته على معالجة مجموعة من التحديات الداخلية، وفي مقدمتها تحسين البيئة الاستثمارية، واستكمال البنية التحتية، وتعزيز الاستقرار الأمني، إلى جانب تحقيق قدر أكبر من التوافق السياسي حول المشروعات الاستراتيجية. فغياب هذه المتطلبات قد يؤدي إلى إبطاء تنفيذ المشروعات أو تقليص قدرتها على جذب الاستثمارات الدولية، حتى في ظل توافر المقومات الجغرافية.
وفي المقابل، فإن إحراز تقدم ملموس في هذه الملفات قد يعيد تعريف الدور الإقليمي للعراق، لينتقل تدريجيًا من كونه ساحة للتنافس بين القوى الإقليمية إلى دولة تؤدي دورًا محوريًا في ربط شبكات التجارة والطاقة بين الخليج وشرق المتوسط وأوروبا. ومن شأن هذا التحول أن يعزز الوزن الجيوسياسي لبغداد، ويمنحها أدوات جديدة للتأثير في محيطها الإقليمي، تتجاوز الأبعاد التقليدية المرتبطة بإنتاج النفط أو التوازنات الأمنية.
ثالثًا: تركيا بين تعزيز موقعها اللوجستي وتصاعد المنافسة على مسارات الربط
تحتل تركيا موقعًا محوريًا في معادلة الممرات الاقتصادية الجديدة، نظرًا لكونها تمثل نقطة الالتقاء بين الشرق الأوسط وأوروبا ومنطقة جنوب القوقاز، فضلًا عن امتلاكها بنية تحتية متطورة نسبيًا في مجالات الموانئ والسكك الحديدية وخطوط نقل الطاقة. وقد سعت أنقرة خلال العقدين الماضيين إلى توظيف هذه المزايا لتعزيز مكانتها بوصفها مركزًا إقليميًا لعبور التجارة والطاقة، عبر الاستثمار في شبكات النقل العابرة للحدود، وتطوير موانئها، والانخراط في مشروعات دولية تستهدف ربط آسيا بالأسواق الأوروبية.
وفي هذا السياق، تنظر تركيا إلى الممرات الاقتصادية بوصفها أحد مرتكزات سياستها الخارجية والاقتصادية، وليس مجرد قطاع خدمي. فتعزيز موقعها ضمن شبكات النقل الدولية يحقق لأنقرة جملة من المكاسب، من بينها زيادة العائدات الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وتعزيز نفوذها في علاقاتها مع كل من أوروبا ودول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. كما يمنحها دورًا أكبر في إدارة تدفقات الطاقة، في ظل مرور عدد من خطوط النفط والغاز عبر أراضيها، وهو ما يرسخ مكانتها باعتبارها حلقة وصل بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
غير أن هذه المكانة تواجه في الوقت ذاته تحديات متزايدة، نتيجة تعدد المبادرات الإقليمية والدولية الساعية إلى إنشاء مسارات بديلة قد تقلل من الاعتماد على الأراضي التركية. فإلى جانب مشروع «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا»، تتواصل الجهود لتطوير ممرات أخرى عبر جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، بما يفتح المجال أمام إعادة توزيع حركة التجارة وفقًا لمتغيرات جيوسياسية واقتصادية متسارعة. ويعني ذلك أن قدرة تركيا على الحفاظ على موقعها لن تعتمد على ميزتها الجغرافية وحدها، بل أيضًا على قدرتها على التكيف مع هذه التحولات، وتطوير شراكاتها الإقليمية، واستكمال مشاريعها اللوجستية.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاهتمام التركي المتزايد بدعم مشروع «طريق التنمية» العراقي، باعتباره أحد المشروعات التي قد تعزز دور تركيا في شبكات الربط الجديدة، من خلال ربط الخليج مباشرة بالحدود التركية، ثم بالأسواق الأوروبية. كما ينسجم ذلك مع مساعي أنقرة إلى تنويع مسارات التجارة والطاقة، وتقليل تأثير أي ترتيبات إقليمية قد تؤدي إلى تجاوز دورها الجغرافي.
وفي المقابل، يظل نجاح تركيا في ترسيخ مكانتها مرهونًا بعوامل تتجاوز قدراتها الذاتية، من بينها استقرار الأوضاع الأمنية في العراق وسوريا، ومستوى التعاون مع دول الخليج، وطبيعة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن مسار التنافس بين القوى الكبرى على شبكات النقل العالمية. فهذه العوامل مجتمعة قد تحدد ما إذا كانت أنقرة ستنجح في التحول إلى مركز رئيسي للممرات الاقتصادية، أم ستجد نفسها أمام بيئة تنافسية أكثر تعقيدًا تفرض عليها إعادة صياغة أولوياتها.
كما أن التنافس على الممرات لا يعني بالضرورة وجود رابح واحد، إذ قد تتعايش عدة مسارات متوازية تخدم أسواقًا ومصالح مختلفة. ومن ثم، فإن مستقبل الدور التركي سيتحدد بدرجة أكبر بقدرته على الاندماج في أكبر عدد ممكن من هذه المبادرات، بدلًا من الاعتماد على مشروع بعينه أو السعي إلى احتكار حركة العبور بين آسيا وأوروبا.
رابعًا: تنافس القوى الكبرى على هندسة الممرات الاقتصادية
لا يمكن فهم التحركات المرتبطة بالممرات الاقتصادية في الشرق الأوسط بمعزل عن التنافس المتصاعد بين القوى الكبرى على إعادة تشكيل شبكات التجارة والطاقة العالمية. فهذه المشروعات لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على اختصار زمن النقل أو خفض التكاليف اللوجستية، وإنما أصبحت جزءًا من استراتيجيات أوسع تستهدف بناء مناطق نفوذ جديدة، وتعزيز الاعتماد الاقتصادي المتبادل، والتأثير في خيارات الدول الواقعة على امتداد هذه الممرات. ومن ثم، باتت البنية التحتية العابرة للحدود إحدى أدوات المنافسة الجيوسياسية، إلى جانب الأدوات العسكرية والاقتصادية التقليدية.
وفي هذا الإطار، تبدو الولايات المتحدة معنية بدعم الممرات التي تعزز ارتباط شركائها الإقليميين بشبكات اقتصادية بديلة، وتحد من قدرة القوى المنافسة على توظيف الموقع الجغرافي أو موارد الطاقة في تعزيز نفوذها. كما تنسجم هذه المقاربة مع توجه أمريكي أوسع يركز على بناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد، بما يعزز استقرار الحلفاء، ويقلل من تأثير الأزمات التي قد تصيب الممرات البحرية التقليدية أو شبكات النقل التي تهيمن عليها قوى منافسة.
وفي المقابل، تنظر الصين إلى الممرات الاقتصادية باعتبارها امتدادًا لمبادرة “الحزام والطريق”، التي تقوم على توسيع شبكات الربط التجاري والاستثماري بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. وتمثل منطقة الشرق الأوسط حلقة محورية في هذه المبادرة، نظرًا لموقعها الجغرافي وارتباطها المباشر بخطوط إمداد الطاقة التي تعتمد عليها بكين. ولذلك، يظل الحفاظ على انفتاح الممرات الإقليمية، وتجنب تحولها إلى أدوات حصرية لنفوذ قوى أخرى، من بين أولويات السياسة الصينية في المنطقة.
أما روسيا، فتنظر بحذر إلى أي ترتيبات قد تسهم في إعادة توجيه التجارة والطاقة نحو أوروبا عبر مسارات تقلل من أهمية شبكاتها التقليدية أو من دورها في أسواق الطاقة الأوروبية. ورغم أن الشرق الأوسط لا يمثل الساحة الوحيدة لهذا التنافس، فإن تطوير ممرات جديدة تربط الخليج وشرق المتوسط بأوروبا قد ينعكس، على المدى الطويل، على توازنات النقل والطاقة التي تشكل أحد عناصر النفوذ الروسي.
وفي الوقت نفسه، تمثل إيران أحد أكثر الأطراف تأثرًا بأي تحولات تقلل من الأهمية النسبية للممرات البحرية التقليدية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يشكل إحدى أبرز أوراقها الاستراتيجية في إدارة علاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية. ومن هذا المنطلق، قد تنظر طهران إلى بعض مشاريع الربط الجديدة باعتبارها تحديًا لموقعها الجيوسياسي، خاصة إذا ارتبطت بمسارات تقلل من اعتماد دول المنطقة على الممرات التي تمتلك فيها إيران قدرة على التأثير غير المباشر. ومع ذلك، قد تسعى في المقابل إلى الانخراط في مبادرات بديلة تعزز دورها ضمن شبكات النقل الإقليمية، بما يحول دون تهميش موقعها الجغرافي.
وتشير هذه التفاعلات إلى أن التنافس بين القوى الكبرى لا يدور حول ممر بعينه، وإنما حول طبيعة النظام الإقليمي الذي ستنتجه هذه الممرات. فكل مشروع جديد لا يضيف مسارًا للنقل فحسب، بل يعيد تشكيل أنماط الاعتماد الاقتصادي، ويوسع نطاق الشراكات السياسية، ويمنح الدول المشاركة فيه أدوات إضافية للتأثير في محيطها. ولذلك، أصبحت المنافسة تدور بدرجة متزايدة حول هندسة شبكات الترابط الاقتصادي، أكثر من السيطرة المباشرة على الأراضي أو الممرات التقليدية.
خامسًا: البيئة الأمنية والإقليمية بوصفها المحدد الحاكم لتنفيذ الممرات
على الرغم من اتساع الاهتمام الإقليمي والدولي بمشروعات الممرات الاقتصادية، فإن مستقبل هذه المبادرات سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بالبيئة الأمنية والسياسية التي تمر عبرها. فنجاح أي ممر عابر للحدود لا يعتمد فقط على توافر التمويل أو اكتمال البنية التحتية، وإنما يتطلب أيضًا بيئة مستقرة تسمح باستمرار حركة التجارة والطاقة دون انقطاع. ومن ثم، تبدو الاعتبارات الأمنية أحد أهم المحددات التي قد تسرّع تنفيذ هذه المشروعات أو تعيقها.
ويبرز العراق وسوريا في مقدمة الدول التي ستحدد أوضاعها الأمنية مستقبل عدد من مشاريع الربط الإقليمي. فعلى الرغم من الموقع الجغرافي الذي يمنحهما دورًا محوريًا في ربط الخليج بتركيا وشرق المتوسط، لا تزال التحديات الأمنية، وتعدد الفاعلين المسلحين، والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، تمثل عوامل قد تؤخر تنفيذ المشروعات أو تزيد من تكاليفها الاستثمارية. كما أن استمرار حالة عدم اليقين السياسي قد يدفع المستثمرين إلى تفضيل مسارات بديلة أكثر استقرارًا، حتى وإن كانت أقل جدوى من الناحية الجغرافية.
ولا تقتصر التحديات على الممرات البرية، إذ أثبتت التطورات التي شهدها البحر الأحمر والخليج خلال العامين الماضيين أن الممرات البحرية بدورها أصبحت أكثر عرضة لتداعيات الأزمات الإقليمية. فقد أدى استهداف السفن التجارية، وارتفاع تكاليف التأمين، وتحويل مسارات الشحن الدولية، إلى إبراز هشاشة الاعتماد على مسار واحد، وتعزيز القناعة بضرورة إنشاء منظومة نقل أكثر تنوعًا. وفي هذا السياق، لا تبدو الممرات البرية بديلًا للممرات البحرية، بقدر ما تمثل عنصرًا مكملًا يرفع من مرونة شبكات التجارة العالمية في مواجهة الأزمات.
كما تؤثر طبيعة العلاقات بين دول المنطقة بصورة مباشرة في فرص نجاح هذه المشروعات. فالممرات الاقتصادية العابرة للحدود تتطلب مستويات مرتفعة من التنسيق السياسي والتعاون الأمني، وهو ما يجعلها أكثر حساسية للتوترات الثنائية أو الصراعات الإقليمية. ومن ثم، فإن أي تراجع في مسارات التهدئة أو عودة الاستقطاب الإقليمي قد ينعكس سلبًا على تنفيذ مشاريع الربط، حتى وإن كانت تحظى بدعم دولي وتمويل كافٍ.
وفي المقابل، قد تسهم الممرات الاقتصادية نفسها في تعزيز مستويات الاستقرار إذا نجحت في خلق مصالح اقتصادية مشتركة بين الدول المشاركة. فكلما ارتفعت كلفة تعطيل هذه المشاريع على الأطراف المعنية، ازدادت الحوافز للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني. ومع ذلك، يظل هذا الأثر مرهونًا بقدرة الدول على فصل المصالح الاقتصادية عن الخلافات السياسية، وهو أمر لا يزال يواجه تحديات في عدد من بؤر التوتر الإقليمية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن مستقبل الممرات الاقتصادية لن يتحدد فقط بمدى توافر الموارد المالية أو الإرادة السياسية، وإنما أيضًا بقدرة الدول المعنية على بناء بيئة أمنية أكثر استقرارًا، تسمح بتحويل التصورات الجيوسياسية إلى مشاريع مستدامة. فغياب الاستقرار قد يحول الموقع الجغرافي من مصدر قوة إلى عامل يحد من فرص الاستفادة من هذه المبادرات.
سادسًا: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: تشكل شبكة ممرات إقليمية متعددة دون إلغاء المسارات التقليدية (الأكثر ترجيحًا)
يقوم هذا السيناريو على نجاح عدد من مشروعات الربط الاقتصادي في التقدم بصورة تدريجية، بما يؤدي إلى نشوء شبكة من الممرات البرية والبحرية المتكاملة، دون أن تحل محل الممرات التقليدية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وقناة السويس وباب المندب. فبدلًا من استبدال مسار بآخر، يتجه النظام الإقليمي نحو تنويع خيارات النقل والطاقة، بما يعزز مرونة سلاسل الإمداد ويحد من تداعيات الأزمات الجيوسياسية.
ويرجح هذا السيناريو استمرار تنفيذ عدد من المشاريع بصورة متوازية، مثل «طريق التنمية» العراقي، ومشروعات الربط عبر تركيا، إلى جانب مبادرات أخرى، كالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، مع تفاوت في معدلات الإنجاز تبعًا للظروف السياسية والأمنية. وفي هذه الحالة، ستزداد أهمية الدول القادرة على الاندماج في أكثر من شبكة نقل، بما يعزز مكانتها بوصفها عقدًا رئيسية في حركة التجارة والطاقة.
مرجحات السيناريو
- استمرار الاهتمام الدولي بتنويع مسارات التجارة والطاقة.
- تزايد الاستثمارات في البنية التحتية الإقليمية.
- إدراك الدول المعنية للمكاسب الاقتصادية التي تحققها مشاريع الربط.
- صعوبة الاعتماد على ممر واحد في ظل تكرار الأزمات الإقليمية.
معوقات السيناريو
- بطء تنفيذ المشاريع الكبرى.
- استمرار التحديات الأمنية في بعض مناطق العبور.
- تباين أولويات الدول المشاركة.
- احتمالات تعثر التمويل أو تأخر الاستثمارات.
السيناريو الثاني: تباطؤ تنفيذ الممرات واستمرار هيمنة المسارات التقليدية (محتمل)
يفترض هذا السيناريو استمرار الاهتمام السياسي بالممرات الجديدة، دون أن يترجم ذلك إلى تقدم ملموس في تنفيذ معظم المشاريع خلال المدى المنظور. ويعود ذلك إلى تداخل التحديات الأمنية مع ارتفاع تكاليف الإنشاء، وصعوبة تنسيق المصالح بين عدد كبير من الدول، فضلًا عن استمرار الاعتماد الاقتصادي على البنية التحتية القائمة.
وفي هذه الحالة، ستظل الممرات التقليدية، ولا سيما مضيق هرمز وقناة السويس، تحتفظ بدورها المحوري في حركة التجارة والطاقة العالمية، بينما تقتصر المشاريع الجديدة على مراحل تجريبية أو تنفيذ جزئي لا يؤدي إلى تغيير جوهري في خريطة النقل الإقليمي.
مرجحات السيناريو
- استمرار عدم الاستقرار في العراق وسوريا.
- تعقيد التنسيق بين الدول المشاركة.
- ارتفاع تكلفة مشاريع النقل والربط.
- استمرار كفاءة الممرات التقليدية مقارنة بالبدائل.
معوقات السيناريو
- تصاعد المخاطر الأمنية في الممرات البحرية.
- زيادة الضغوط الدولية لتنويع طرق التجارة.
- نجاح بعض المشاريع في تجاوز العقبات التنفيذية.
- تحسن البيئة السياسية بين عدد من دول المنطقة.
السيناريو الثالث: تحول الممرات الاقتصادية إلى محور صراع جيوسياسي مباشر (الأقل ترجيحًا)
يقوم هذا السيناريو على انتقال المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية من مرحلة التنافس على تصميم الممرات إلى مرحلة السعي لتعطيل أو احتواء مشاريع المنافسين بصورة أكثر وضوحًا، سواء عبر الضغوط السياسية، أو العقوبات الاقتصادية، أو توظيف الأزمات الأمنية في مناطق العبور. وفي هذه الحالة، قد تتحول بعض مشاريع البنية التحتية إلى أدوات ضمن صراعات النفوذ، بما يؤدي إلى زيادة حالة الاستقطاب الإقليمي.
ورغم أن هذا السيناريو يظل قائمًا من الناحية النظرية، فإن تحققه على نطاق واسع يبقى أقل ترجيحًا، نظرًا لارتفاع الكلفة الاقتصادية التي قد تتحملها جميع الأطراف، فضلًا عن اعتماد الاقتصاد العالمي على استقرار حركة التجارة والطاقة في المنطقة.
مرجحات السيناريو
- تصاعد حدة التنافس بين القوى الكبرى.
- تدهور الأوضاع الأمنية في مناطق العبور.
- توظيف مشاريع الممرات في الصراعات الإقليمية.
- فشل مسارات التهدئة بين القوى الفاعلة.
معوقات السيناريو
- ارتفاع الكلفة الاقتصادية لأي تعطيل واسع للممرات.
- تمسك الدول المستفيدة باستمرار مشاريع الربط.
- وجود مصالح اقتصادية مشتركة تحد من فرص التصعيد.
- استمرار الحاجة الدولية إلى استقرار أسواق الطاقة والتجارة.
وختامًا يمكن القول... يُرجح أن تتجه البيئة الإقليمية خلال السنوات المقبلة نحو تعزيز دور الممرات الاقتصادية بوصفها إحدى أدوات إعادة تشكيل النفوذ، إلى جانب دورها التقليدي في نقل التجارة والطاقة. كما يُتوقع أن يستمر توجه القوى الكبرى إلى تنويع مسارات التجارة وسلاسل الإمداد عبر تطوير ممرات بحرية وبرية متكاملة، بما يحد من مخاطر الاعتماد على نقاط الاختناق، دون أن يؤدي ذلك إلى تراجع الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية التقليدية في المستقبل المنظور.
وفي هذا السياق، قد تصبح قدرة دول مثل العراق وتركيا على تطوير البنية التحتية وتعزيز البيئة الأمنية والاستثمارية عاملًا مؤثرًا في مكانتها ضمن شبكات الربط الإقليمي. كما يُرجح أن يتزايد توظيف مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود في إطار التنافس الأمريكي والصيني والروسي، بما يعزز دورها كأداة للنفوذ وبناء الاعتماد الاقتصادي المتبادل، ويجعل الممرات الاقتصادية أحد العوامل المرجحة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.




