• من نحن
  • النشرة البريدية
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • الرئيسية
  • التقديرات
  • الإنذار المبكر
  • البرامج
    • الدراسات الإفريقية
    • الدراسات الفلسطينية- الإسرائيلية
    • الدراسات التركية
    • الدراسات الإيرانية
    • الدراسات الأذربيجانية
    • الاستراتيجيات والتخطيط
    • الإرهاب والتطرف
    • الطاقة
    • الذكاء الاصطناعي
    • الأمن السيبراني
    • التغير المناخي
    • السياسات العامة
  • المرصد
  • الإصدارات
  • الفعاليات
    • التدريب
    • ورش العمل
    • ندوات
  • نافذة مسارات
    • أخبار المركز
    • المركز في الإعلام
    • مقالات الرأي
    • انفوجراف
    • فيديوجراف
  • العربية

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

No Result
View All Result
مركز مسارات
الرئيسية البرامج الدراسات الإيرانية

القواعد العسكرية أم منشآت الطاقة؟ قراءة في التحول في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية تجاه دول الخليج

محمود أحمد قاسم بواسطة محمود أحمد قاسم
يوليو 5, 2026
في الدراسات الإيرانية
0
0
مشاركة
22
مشاهدة
Share on FacebookShare on Twitter

شهدت الحرب الأمريكية الإيرانية تحولًا نوعيًا في طبيعة الاستراتيجية الإيرانية تجاه دول الخليج، إذ انتقلت من التركيز على استهداف القواعد العسكرية الأمريكية إلى توسيع نطاق العمليات ليشمل منشآت الطاقة، والبنية التحتية الحيوية، والموانئ، والمطارات، وبعض المرافق المدنية ذات الأهمية الاقتصادية، ولم يكن هذا التحول مجرد تغير تكتيكي فرضته ظروف المعركة، بل عكس إعادة صياغة لمفهوم الردع الذي تتبناه إيران، بحيث لم تعد القوة العسكرية وحدها هي الوسيلة الأساسية لإجبار الخصوم على تغيير سلوكهم، وإنما أصبحت الأدوات الاقتصادية والبنى الحيوية تمثل المجال الأكثر تأثيرًا في إدارة الصراع.

في المراحل الأولى من الحرب، ارتكز الخطاب الإيراني على تأكيد أن العمليات العسكرية تستهدف القواعد الأمريكية المنتشرة في دول الخليج، باعتبارها مراكز انطلاق للعمليات العسكرية التي تستهدف إيران، وذلك لإضفاء شرعية سياسية وقانونية على العمليات العسكرية من خلال حصرها في أهداف ذات طبيعة عسكرية، إلا أن هذا الخطاب لم يستمر طويلًا، إذ لم يمض سوى نحو عشرين يومًا حتى بدأت طبيعة الأهداف تتغير بصورة واضحة، مع تعرض منشآت لا تؤدي وظائف عسكرية مباشرة للاستهداف، الأمر الذي أدى لتراجع قدرة الرواية الأولى على تفسير التطورات الميدانية، وأصبح من الواضح أن نطاق العمليات يتجاوز بكثير حدود القواعد العسكرية.

وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تحليل التحول في أولويات الردع الإيراني تجاه دول الخليج، من خلال تناول تطور مفهوم الهدف الاستراتيجي، وارتباطه بالعقيدة الدفاعية الإيرانية، وانعكاساته الاقتصادية والإقليمية، وصولًا إلى استشراف المسارات المحتملة للصراع خلال المرحلة المقبلة.

أولًا: التحول في مفهوم الهدف العسكري داخل البيئة الاستراتيجية الإيرانية

شهدت الاستراتيجية الإيرانية تحولًا في تحديد أولويات الاستهداف، إذ اتجهت من التركيز على القواعد العسكرية الأمريكية إلى استهداف عناصر القوة الاقتصادية في دول الخليج، وفي مقدمتها منشآت النفط والغاز، والموانئ، والمطارات، وشبكات الكهرباء، باعتبارها تمثل الركائز الأساسية للاقتصادات الخليجية، فضلًا عن ارتباطها المباشر باستقرار الاقتصاد العالمي. ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا بأن تعطيل البنية التحتية الاقتصادية قد يحقق تأثيرًا استراتيجيًا يفوق ما يمكن أن تحققه الضربات العسكرية التقليدية.

ويستند هذا التوجه إلى طبيعة الصراعات الحديثة، التي لم تعد تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل باتت تعتمد على القدرة على إرباك النشاط الاقتصادي، ورفع تكاليف النقل والتأمين، والتأثير في ثقة المستثمرين، وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية. ومن ثم، أصبح الاقتصاد أحد ميادين الصراع، وأضحت المنشآت الاقتصادية أهدافًا رئيسة ضمن معادلات الردع، لما يترتب على استهدافها من ضغوط سياسية واقتصادية تمتد آثارها إلى المستويين الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، توسع مفهوم “الهدف العسكري” في الرؤية الإيرانية، فلم يعد يقتصر على المنشآت ذات الاستخدام القتالي المباشر، وإنما شمل المرافق التي تمثل دعامة للاستقرار الاقتصادي أو للمنظومة الأمنية المرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية. وبناءً على ذلك، أصبحت منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية جزءًا من بنك الأهداف المحتملة، باعتبار أن تعطيلها يرفع تكلفة الصراع على الخصوم ويحد من قدرتهم على الاستمرار فيه.

وفي المقابل، فرض هذا التحول تحديات أمنية جديدة على دول الخليج، التي باتت مطالبة بتطوير منظومات متكاملة لحماية منشآتها الحيوية، تجمع بين القدرات العسكرية والأمنية والتقنية، مع تعزيز الدفاع الجوي، والأمن السيبراني، وآليات إدارة الأزمات، لضمان استمرارية عمل المرافق الاستراتيجية. ويؤشر ذلك إلى تحول أوسع في طبيعة الصراع الإقليمي، حيث لم تعد المنافسة تدور حول استهداف القدرات العسكرية فقط، بل امتدت إلى مصادر الثروة والطاقة والتجارة، التي أصبحت تمثل أحد أهم محددات القوة والردع في البيئة الاستراتيجية المعاصرة.

ثانيًا: العقيدة الدفاعية وموقع دول الخليج في المنظور الاستراتيجي الإيراني

لا يمكن تفسير التحول في طبيعة الأهداف الإيرانية خلال الصراع الجاري حاليًا من خلال المتغيرات العسكرية الآنية فقط، وإنما يجب ربطه بالتطور الذي شهدته العقيدة الدفاعية الإيرانية خلال العقود الماضية، إذ أدت الخبرات التي اكتسبتها إيران من الحرب العراقية الإيرانية، إلى إعادة تقييم شاملة لطبيعة التهديدات التي تواجهها وآليات التعامل معها، وأظهرت تلك الحرب أن الاقتصار على الدفاع التقليدي داخل الحدود الوطنية يفرض على الدولة أعباء بشرية واقتصادية هائلة، ويجعلها تتحمل الجزء الأكبر من تكاليف المواجهة، وهو ما دفع صانع القرار الإيراني إلى البحث عن نموذج دفاعي أكثر قدرة على تقليل آثار الحرب على الداخل الإيراني.

في ضوء هذه المراجعات، بدأت إيران في بلورة عقيدة دفاعية جديدة تُوجت عام 1993 بوضع إطار استراتيجي يقوم على مبدأ نقل ساحة المواجهة إلى خارج الحدود الإيرانية كلما أمكن ذلك، وعدم انتظار وصول التهديد إلى الداخل الوطني قبل التعامل معه، وقد أصبحت هذه العقيدة أحد المرتكزات الأساسية للفكر العسكري الإيراني، إذ لم يعد الدفاع يعني حماية الأراضي الإيرانية فقط، وإنما أصبح يشمل إدارة التهديدات في محيطها الإقليمي، ومنع الخصوم من امتلاك بيئة آمنة يمكنهم من خلالها ممارسة الضغوط العسكرية أو السياسية عليها.

وبهذا انتقل مفهوم الدفاع من كونه فعلًا ردعيًا داخل الحدود إلى استراتيجية استباقية تتعامل مع مصادر التهديد في محيطها الإقليمي، وقد انعكس هذا التطور على طبيعة الأدوات العسكرية والسياسية التي اعتمدتها إيران لاحقًا، كما أثر بصورة مباشرة في طريقة إدارتها للأزمات الإقليمية، وقد بدأت العقيدة الدفاعية بصيغتها الجديدة تتبلور بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، مع الإشارة إلى عام 1993 باعتباره محطة مفصلية في هذا التحول.

وفي إطار هذه العقيدة، لا يُنظر إلى التحالفات الدولية باعتبارها متساوية في الأهمية أو التأثير، بل تُصنف وفق طبيعة علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية ودورها في البيئة الأمنية المحيطة بإيران، ويقوم هذا التصنيف على التمييز بين مفهومين مختلفين: الانتماء الاستراتيجي والمصلحة الاستراتيجية. فالانتماء الاستراتيجي يعني أن الدولة تُعد جزءًا من البنية الأمنية والسياسية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في إدارة نفوذها الإقليمي، بحيث تصبح مكونًا أساسيًا في منظومة الردع والتحالفات الأمريكية، أمَّا المصلحة الاستراتيجية فتعني وجود تعاون أو شراكة تحقق مصالح متبادلة، دون أن يصل ذلك إلى مستوى الاندماج في مشروع استراتيجي دائم.

ويترتب على هذا التمييز اختلاف واضح في طريقة تقييم الدول من المنظور الإيراني، فدول الخليج تُصنف ضمن دائرة الانتماء الاستراتيجي للولايات المتحدة، وذلك استنادًا إلى وجود قواعد عسكرية أمريكية، واتفاقيات دفاعية طويلة الأجل، وشبكات تعاون أمني واستخباراتي، فضلًا عن الترابط السياسي والاقتصادي بين الجانبين، ومن هذا المنطلق لا يُنظر إلى الوجود العسكري الأمريكي في الخليج باعتباره وجودًا منفصلًا عن الدول المضيفة، بل باعتباره جزءًا من المنظومة الأمنية التي تتحرك في إطارها هذه الدول، وهو ما يجعلها –وفق هذا التصور– جزءًا من البيئة العملياتية للصراع في حال اندلاع مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة.

في المقابل، تُطرح تركيا نموذجًا مختلفًا، إذ تُصنف ضمن دائرة المصلحة الاستراتيجية، رغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي، لأن العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة تقوم، وفق هذا التصور، على اعتبارات المصلحة المتبادلة التي قد تتغير بتغير الظروف السياسية والإقليمية، ويعكس هذا التمييز إدراكًا إيرانيًا بأن العلاقات الدولية ليست جميعها من طبيعة واحدة، وأن مستوى الالتزام السياسي والعسكري بين الدول يحدد مكانتها في الحسابات الاستراتيجية أكثر من مجرد وجود علاقات دبلوماسية أو تعاون اقتصادي.

ويؤثر هذا التصنيف بصورة مباشرة في تحديد الأولويات العسكرية أثناء الأزمات، فكلما اعتُبرت دولة جزءًا من الانتماء الاستراتيجي الأمريكي، ارتفعت احتمالات اعتبار منشآتها أو بنيتها التحتية جزءًا من البيئة التي تدعم العمليات العسكرية الأمريكية، حتى وإن لم تشارك بصورة مباشرة في الأعمال القتالية، ومن ثم لا يصبح استهداف بعض المنشآت مرتبطًا بطبيعتها العسكرية فحسب، بل يرتبط أيضًا بالدور الذي تؤديه داخل المنظومة الاستراتيجية الأشمل التي تنظر إليها إيران باعتبارها مصدرًا للتهديد.

وتكشف هذه الرؤية عن اختلاف جوهري بين المنظور الإيراني والمنظور الخليجي لطبيعة العلاقات الإقليمية. فمن ناحية، ترى إيران أن وجود قواعد عسكرية أمريكية، أو بنية لوجستية مرتبطة بها، يجعل تلك الدول جزءًا من شبكة التهديدات الموجهة ضدها. ومن ناحية أخرى، تؤكد دول الخليج أن شراكاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة تمثل خيارًا سياديًا يهدف إلى حماية أمنها الوطني والحفاظ على استقرار المنطقة، ولا يعني بالضرورة الانخراط في أي عمل عدائي ضد إيران، ويؤدي هذا الاختلاف في تفسير طبيعة التحالفات إلى تعميق فجوة الثقة بين الجانبين، ويجعل كل طرف يقرأ تحركات الطرف الآخر من منظور أمني مختلف.

ولا تقتصر العقيدة الدفاعية الإيرانية على الجوانب العسكرية ، بل تمتد للمجالين السياسي والاقتصادي، إذ تنطلق من فرضية أن الضغط على البيئة الداعمة للولايات المتحدة قد يكون أكثر تأثيرًا من المواجهة العسكرية المباشرة معها، ولذلك أصبح استهداف عناصر القوة الاقتصادية، وتهديد البنية التحتية الحيوية، وإثارة المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة والتجارة، جزءًا من أدوات الردع التي تهدف إلى رفع تكلفة استمرار السياسات الأمريكية في المنطقة، ومن هذا المنطلق لا يُعد الانتقال إلى استهداف منشآت الطاقة خروجًا عن العقيدة الدفاعية الإيرانية، بل يمثل امتدادًا طبيعيًا لها، لأنها تقوم في جوهرها على توسيع نطاق الضغوط لتشمل جميع العناصر التي تمنح الخصوم القدرة على الاستمرار في الصراع.

كما تعكس هذه العقيدة إدراكًا بأن موازين القوى في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية، وإنما أصبحت ترتبط أيضًا بالقدرة على التأثير في الاقتصاد، والطاقة، والاستثمارات، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية؛ لذلك أصبحت العقيدة الدفاعية الإيرانية أكثر شمولًا، إذ تدمج بين القوة العسكرية، والضغط الاقتصادي، والرسائل السياسية، في إطار استراتيجية واحدة تهدف إلى إعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بإيران بما يحقق أكبر قدر من الردع ويقلل في الوقت ذاته من احتمالات انتقال الحرب إلى الداخل الإيراني.

ثالثًا: الأبعاد الاقتصادية وتغير المحددات الحاكمة للصراع

أثبتت تطورات الحرب الجارية أن البعد الاقتصادي لم يعد نتيجة مترتبة على العمليات العسكرية، وإنما أصبح أحد أهم محركاتها وأهدافها في الوقت ذاته، إذ انتقل مركز الثقل في المواجهة من استنزاف القدرات العسكرية إلى استنزاف القدرات الاقتصادية، باعتبار أن الاقتصاد يمثل العنصر الأكثر حساسية في معادلات القوة الحديثة، ولم تعد قيمة الدولة تقاس فقط بحجم قواتها المسلحة أو ترسانتها العسكرية، وإنما بقدرتها على الحفاظ على استقرار أسواقها، واستمرار إنتاجها، وتأمين حركة التجارة والطاقة، والمحافظة على ثقة المستثمرين المحليين والدوليين.

وتكتسب منطقة الخليج أهمية استثنائية في هذا السياق، لأنها تمثل أحد أهم مراكز إنتاج النفط والغاز في العالم، فضلًا عن كونها محورًا رئيسًا لمرور التجارة البحرية الدولية، ولذلك فإن أي اضطراب أمني يصيب المنطقة لا ينعكس على اقتصاداتها الوطنية فحسب، وإنما يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، وهو ما يجعل الخليج أحد أكثر الأقاليم حساسية تجاه الأزمات العسكرية والسياسية.

وتبرز أهمية مضيق هرمز بوصفه الحلقة المركزية في هذه المعادلة الاقتصادية، فالمضيق لا يمثل مجرد ممر بحري بين الخليج العربي وبحر العرب، وإنما يعد شريانًا حيويًا تتدفق عبره صادرات الطاقة العالمية، كما تعتمد عليه دول الخليج في الجزء الأكبر من وارداتها التجارية، إذ تستورد دول الخليج ما يقارب 80% من احتياجاتها عبر مضيق هرمز، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد الكبير على هذا الممر البحري، ليس فقط في تصدير النفط والغاز، وإنما أيضًا في استيراد المواد الغذائية، والسلع الأساسية، والمعدات الصناعية، والمواد الخام، ومستلزمات الإنتاج المختلفة، ويعني ذلك أن أي اضطراب في حركة الملاحة لا يؤدي إلى تراجع الصادرات فحسب، بل يهدد أيضًا انتظام الواردات التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية اليومية في دول المنطقة.

ولا تقتصر الآثار الاقتصادية على احتمالات إغلاق المضيق بصورة كاملة، بل إن مجرد ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية يؤدي إلى نتائج اقتصادية واسعة، فمع تصاعد التهديدات ترتفع أقساط التأمين البحري، وتزداد تكاليف الشحن، كما تضطر شركات النقل إلى تعديل مساراتها أو اتخاذ إجراءات أمنية إضافية، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع، وكلفة الإنتاج، ومعدلات التضخم في الأسواق العالمية، ولذلك فإن الاقتصاد العالمي يتأثر بمجرد ارتفاع احتمالات تعطل الملاحة، حتى وإن استمرت حركة السفن بصورة طبيعية.

ورغم أن اقتصادات دول الخليج تمتلك قدرًا من القدرة على امتصاص الصدمات في المدى القصير، نتيجة امتلاكها احتياطيات مالية كبيرة ومخزونات استراتيجية من السلع الأساسية أسهمت في الحد من الآثار المباشرة خلال الأسابيع الأولى من الأزمة، ومنعت حدوث اضطرابات واسعة في الأسواق المحلية، غير أن استمرار الحرب لفترة أطول سيؤدي تدريجيًا إلى استنزاف هذه الاحتياطيات، وارتفاع تكاليف إعادة التوريد، واتساع الضغوط على الموازنات العامة، بما ينعكس على مجمل النشاط الاقتصادي.

ويمتد التأثير الاقتصادي كذلك إلى قطاع الاستثمار، الذي يُعد أحد أكثر القطاعات حساسية تجاه الأزمات الأمنية. فالمستثمر لا يتعامل مع الوقائع العسكرية فقط، وإنما يتفاعل أيضًا مع مستوى المخاطر المستقبلية، ولذلك فإن مجرد تعرض منشآت الطاقة أو الموانئ أو المطارات لهجمات عسكرية ينعكس بصورة مباشرة على تقييمات المخاطر، ويؤثر في قرارات الاستثمار طويلة الأجل، كما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التمويل، وزيادة تكلفة التأمين على المشروعات، وتراجع معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر.

ويزداد هذا التأثير بالنظر إلى حجم الترابط المالي بين دول الخليج والولايات المتحدة، فالاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة تتجاوز 4 تريليونات دولار، وهو رقم يعكس عمق العلاقات الاقتصادية والمالية بين الجانبين، ويؤكد أن التحالف القائم بينهما لا يستند إلى الاعتبارات العسكرية وحدها، وإنما يقوم أيضًا على شبكة واسعة من المصالح الاستثمارية والاقتصادية المتبادلة، كما أن دول الخليج تأتي في المرتبة الثانية بعد الصين من حيث حجم الاستثمار في سندات الدين الأمريكية، وهو ما يعكس حجم التشابك المالي بين الاقتصادين الخليجي والأمريكي، ويؤكد أن أي اضطراب سياسي أو أمني في المنطقة قد تكون له انعكاسات على الأسواق المالية الدولية، وليس على أسواق الطاقة فقط.

وتشير هذه الأرقام إلى أن العلاقة بين الأمن والاقتصاد أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، إذ أن حماية منشآت الطاقة لا تتعلق بالحفاظ على إنتاج النفط والغاز فحسب، وإنما ترتبط أيضًا بحماية الاستثمارات الدولية، واستقرار أسواق المال، واستمرار التدفقات التجارية، والمحافظة على ثقة المؤسسات المالية العالمية، ولذلك فإن استهداف هذه المنشآت يمثل محاولة للتأثير في شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية الممتدة عبر النظام الدولي.

ومن ناحية أخرى، فإن منشآت الطاقة لم تعد مجرد مرافق إنتاجية، وإنما أصبحت تمثل عنصرًا أساسيًا في المكانة الجيوسياسية لدول الخليج، فهذه المنشآت تمنح المنطقة دورًا محوريًا في توازنات الاقتصاد العالمي، وتجعل استقرارها مصلحة دولية تتجاوز حدودها الوطنية، ومن ثمَّ فإن أي تهديد لها يؤدي إلى استنفار سياسي واقتصادي واسع، لأن تأثيره لا يقتصر على الدول المنتجة، بل يمتد إلى الدول الصناعية المستهلكة للطاقة، وإلى الأسواق المالية، وشركات النقل، والمؤسسات التجارية العالمية.

وفي ضوء هذه المعطيات، يتبين أن الصراع لم يعد يهدد أمن الخليج فقط، بل أصبح يهدد أحد أهم مراكز الاستقرار الاقتصادي العالمي، فكلما ازدادت هشاشة البيئة الأمنية في المنطقة، ازدادت احتمالات اضطراب أسواق الطاقة، وارتفعت تكلفة التجارة الدولية، وتعقدت حركة الاستثمارات، وهو ما يجعل الاقتصاد العالمي طرفًا متأثرًا بصورة مباشرة بنتائج هذا الصراع، ويمنح البعد الاقتصادي مكانة مركزية في تفسير أهداف الأطراف المتصارعة وآليات إدارتها للمواجهة.

رابعًا: مسارات الصراع والسيناريوهات المستقبلية

تشير المعطيات التي أفرزها الصراع إلى أن منطقة الخليج والشرق الأوسط تقف أمام مرحلة انتقالية قد تؤدي إلى إعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمي بصورة تختلف عن تلك التي سادت خلال العقود الأربعة الماضية، إذ لم تعد الحرب تُقاس بنتائجها العسكرية المباشرة، وإنما بقدرتها على إعادة تشكيل التوازنات السياسية والاقتصادية، وإعادة تعريف طبيعة العلاقات بين القوى الإقليمية والدولية، ولذلك فإن مستقبل الصراع لن يتحدد فقط بمدى نجاح أي طرف في تحقيق أهدافه العسكرية، وإنما بقدرته على فرض تصوره للنظام الإقليمي الذي سيعقب انتهاء العمليات العسكرية.

السيناريو الأول: استمرار التصعيد المتبادل دون الإنزلاق لحرب شاملة (الأكثر ترجيحًا)

يتمثل في استمرار حالة التصعيد المتبادل، مع بقاء الصراع عند مستوى يمكن السيطرة عليه، دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، بمعنى الاستمرار في استخدام أدوات الردع المتبادلة، بحيث يحرص كل طرف على إلحاق أكبر قدر ممكن من الضغوط بالخصم، مع تجنب تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها، وفي هذه الحالة ستظل منشآت الطاقة، والممرات البحرية، والبنية التحتية الحيوية، ضمن أكثر الملفات حساسية، باعتبارها أدوات ضغط استراتيجية قادرة على التأثير في الحسابات السياسية للطرف الآخر دون الوصول إلى مرحلة الحرب الشاملة.

السيناريو الثاني: التوصل إلى تهدئة مؤقتة

يقوم هذا السيناريو على التوصل إلى تهدئة مؤقتة نتيجة إدراك جميع الأطراف أن استمرار التصعيد ستكون كلفته أعلى من المكاسب التي يمكن تحقيقها، وهذا السيناريو تسير فيه كافة الأطراف المتصارعة حاليًا، ويستند هذا الاحتمال إلى حقيقة أن استمرار استهداف منشآت الطاقة أو تهديد الملاحة البحرية سيؤدي إلى اضطراب واسع في الاقتصاد العالمي، وهو ما سيدفع القوى الدولية الكبرى إلى ممارسة ضغوط سياسية مكثفة لمنع توسع الصراع، وفي هذا السياق قد تتجه الأطراف إلى تثبيت وقف غير معلن للتصعيد، مع استمرار الخلافات السياسية والأمنية، بحيث تنتقل المواجهة من المجال العسكري إلى مجالات أخرى، مثل الضغوط الاقتصادية، والعقوبات، والمنافسة السياسية، والحرب السيبرانية.

السيناريو الثالث: نجاح المسار السياسي

يعتمد هذا السيناريو على نجاح المسار السياسي في إعادة صياغة العلاقات الإقليمية على أسس جديدة، من خلال بناء ترتيبات أمنية أكثر شمولًا تراعي المصالح الأساسية لجميع الأطراف، ويقتضي هذا السيناريو الاعتراف بأن الأمن في الخليج لا يمكن أن يقوم على ترتيبات أحادية أو على موازين قوى مؤقتة، وإنما يحتاج إلى منظومة إقليمية تستند إلى الحوار، واحترام السيادة، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها، وتأمين الممرات البحرية، وضمان استمرار تدفق الطاقة باعتبارها مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي بأسره.

وختامًا يمكن القول؛ تشير مجمل التطورات إلى أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن المراحل السابقة، فلم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لتحقيق الردع أو فرض النفوذ، كما لم يعد الاقتصاد بمنأى عن الصراعات السياسية والأمنية، بل أصبح التداخل بين الأمن والطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا أحد أبرز سمات البيئة الاستراتيجية الجديدة، الأمر الذي يجعل إدارة الأزمات أكثر تعقيدًا، ويستلزم تبني مقاربات شاملة تجمع بين الحلول السياسية، والترتيبات الأمنية، والتعاون الاقتصادي، وآليات بناء الثقة.

وفي ضوء ذلك، يتضح أن مستقبل العلاقات الإقليمية لن يتحدد بنتائج المعارك العسكرية وحدها، وإنما بمدى قدرة دول المنطقة على الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق إدارة المصالح المشتركة، فكلما تعززت آليات التعاون والحوار، تراجعت احتمالات تحول الخليج إلى ساحة مواجهة دائمة، وكلما استمرت حالة الاستقطاب الإقليمي، ازدادت مخاطر بقاء منشآت الطاقة والممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية في دائرة الاستهداف، بما يحمله ذلك من تداعيات لا تقتصر على أمن المنطقة، وإنما تمتد إلى استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.

Tags: إيران وإسرائيلإيران والخليجالحرب الإيرانية الإسرائيليةالخليج والولايات المتحدة الأمريكيةالقواعد العسكرية الأمريكية في الخليجالقواعد العسكرية في الخليجمنشآت الطاقة في الخليج

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

نشر حديثًا

الدراسات الإيرانية

القواعد العسكرية أم منشآت الطاقة؟ قراءة في التحول في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية تجاه دول الخليج

المرصد

الخطاب الإعلامي العبري تجاه التقارب المصري-التركي: بين الهواجس الأمنية وإعادة تقدير التوازنات الإقليمية.

التقديرات

مستقبل العلاقات البريطانية-الأوروبية في مرحلة ما بعد ستارمر: بين إعادة التقارب واستمرار إرث البريكست

التقديرات

عولمة الصراع.. كيف يؤثر التهديد الحوثي باستهداف الوجود الإسرائيلي في صوماليلاند على مستقبل الأزمة اليمنية؟

مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية

مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإعداد التقديرات الاستراتيجية والتحليلات المعمقة للقضايا الإقليمية والدولية ذات الصلة بالأمن القومي، والسياسات العامة، والعلاقات الدولية، يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويهدف إلى دعم صانع القرار برؤى موضوعية ومبنية على معطيات دقيقة، في بيئة تتسم بتعقيد وتسارع التحولات.

اتصل بنا

  • شارع الماظة الرئيسى بالتقاطع مع شارع الثورة الرئيسى - مصر الجديدة
  • ٠١٠٠٣٧٤٤٩٩١
  • [email protected]

النشرة البريدية

اشترك الآن في نشرتنا البريدية:

جميع الحقوق محفوظة © 2025 – مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية | تنفيذ ♡ Dotsmaker

No Result
View All Result
  • الرئيسية
  • التقديرات
  • الإنذار المبكر
  • البرامج
    • الدراسات الإفريقية
    • الدراسات الفلسطينية- الإسرائيلية
    • الدراسات التركية
    • الدراسات الإيرانية
    • الدراسات الأذربيجانية
    • الاستراتيجيات والتخطيط
    • الإرهاب والتطرف
    • الطاقة
    • الذكاء الاصطناعي
    • الأمن السيبراني
    • التغير المناخي
    • السياسات العامة
  • المرصد
  • الإصدارات
  • الفعاليات
    • التدريب
    • ورش العمل
    • ندوات
  • نافذة مسارات
    • أخبار المركز
    • المركز في الإعلام
    • مقالات الرأي
    • انفوجراف
    • فيديوجراف
  • العربية