الملخص
أعادت الحرب الأمريكية–الإيرانية التي اندلعت في 28 فبراير 2026 تعريف العلاقة بين أمن الخليج وأمن الفضاء الأورومتوسطي، بعدما تحول مضيق هرمز من ممر للطاقة إلى أداة مباشرة في الصراع على النفوذ والاستقرار الدولي، ولم تقتصر تداعيات الحرب على منطقة الخليج، بل امتدت عبر أسواق الطاقة، والممرات البحرية، والبحر الأحمر، وقناة السويس، وشرق المتوسط، وصولاً إلى الأمن الأوروبي وشمال إفريقيا. تجادل هذه الدراسة بأن الأثر الأهم للحرب لا يتمثل في ارتفاع أسعار النفط والغاز وحده، وإنما في إعادة تقييم الجغرافيا الاستراتيجية للممرات البحرية ومصادر الطاقة، وفي انتقال جزء من المنافسة على الأمن الدولي من المجال العسكري المباشر إلى التحكم في نقاط الاختناق وسلاسل الإمداد، كما تبحث الدراسة في انعكاسات الأزمة على الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط، ولا سيما الجزائر وإيطاليا وليبيا ومصر. وتخلص إلى أن الحرب كشفت هشاشة النظام الأمني الأورومتوسطي أمام الصدمات القادمة من خارج حدوده المباشرة، لكنها في الوقت نفسه عززت أهمية المتوسط باعتباره مجالاً بديلاً ومكملاً للممرات الخليجية، ومن ثم، فإن مستقبل المنطقة سيتوقف بدرجة متزايدة على قدرة أوروبا ودول المتوسط على تنويع مصادر الطاقة، وحماية الممرات البحرية، وتطوير ترتيبات أمنية أكثر استقلالية، مع تجنب تحويل المتوسط إلى امتداد جديد للصراع الأمريكي–الإيراني.
مقدمة
أدخلت الحرب الأمريكية–الإيرانية التي بدأت في 28 فبراير 2026 النظام الإقليمي للشرق الأوسط في مرحلة مختلفة من حيث طبيعة التهديدات واتساع نطاقها، فقد بدأت المواجهة بضربات أمريكية وإسرائيلية واسعة ضد إيران، قبل أن تنتقل سريعاً إلى سلسلة من الردود الإيرانية التي استهدفت إسرائيل ومواقع وقواعد مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، إلى جانب تهديد حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز. وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش التطورات منذ يومها الأول بأنها تهديد خطير للسلم والأمن الدوليين، محذراً من تحولها إلى حرب إقليمية أوسع.
تكمن أهمية الحرب بالنسبة للفضاء الأورومتوسطي في أن الخليج العربي لا يمثل منطقة جغرافية منفصلة عن أوروبا والمتوسط، بل يشكل جزءاً من منظومة مترابطة من تدفقات الطاقة والتجارة والأمن البحري. فالنفط والغاز المنقولان عبر هرمز يرتبطان بالموانئ الأوروبية والأسواق العالمية، بينما تتصل طرق الخليج بالبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، ثم بالمتوسط. ولذلك فإن اضطراب إحدى حلقات هذه السلسلة ينعكس على الحلقات الأخرى.
وقد كشفت الأزمة بوضوح هذه الترابطات. فقبل الحرب كان مضيق هرمز يمر عبره في المتوسط نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل النفطية، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بينما انخفضت التدفقات خلال الربع الأول من 2026 إلى نحو 14.6 مليون برميل يومياً نتيجة الاضطرابات، كما أدى اضطراب صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى ضغط إضافي على الأسواق، إذ تشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن تدفقات الغاز المسال عبر المضيق كانت تمثل قبل الحرب قرابة 20 في المائة من الإمدادات العالمية من الغاز المسال. وتزداد أهمية هذه التطورات لأن أوروبا كانت قد دخلت الحرب وهي أصلاً في مرحلة إعادة صياغة لأمن الطاقة نتيجة الحرب الروسية–الأوكرانية، وبالتالي لم تعد أزمة هرمز مجرد أزمة نفط خليجية، وإنما اختباراً جديداً لقدرة أوروبا على إدارة أمن الطاقة في بيئة دولية تتعدد فيها مصادر المخاطر.
تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الحرب الأمريكية–الإيرانية لم تنقل الصراع العسكري إلى المتوسط بصورة مباشرة، لكنها أعادت تشكيل البيئة الاستراتيجية التي يعمل داخلها الفضاء الأورومتوسطي، من خلال ثلاثة مسارات مترابطة: أمن الطاقة، وأمن الممرات البحرية، وإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى والإقليمية.
أولاً: الحرب الأمريكية–الإيرانية وإعادة تعريف الجغرافيا الاستراتيجية للصراع
لا يمكن فهم تداعيات الحرب على المتوسط من خلال حجم العمليات العسكرية وحده، فالتحول الأهم يتمثل في انتقال الصراع من استهداف المنشآت العسكرية إلى الضغط على البنية التي يقوم عليها الاقتصاد الدولي: الطاقة والملاحة والتجارة. في 28 فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات واسعة على إيران، وردت طهران بضربات استهدفت إسرائيل ومواقع أمريكية وشركاء للولايات المتحدة في المنطقة، وفي اليوم نفسه أشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى تقارير عن إغلاق إيران مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، محذراً من اتساع دائرة الحرب.
ومن منظور استراتيجي، كان إدخال هرمز في المعادلة العسكرية خطوة ذات دلالة تتجاوز الحسابات الإيرانية المباشرة، فإيران تمتلك قدرة جغرافية فريدة على التأثير في واحد من أهم ممرات الطاقة العالمية، ما يمنحها أداة ضغط لا تتناسب بالضرورة مع حجم قدراتها الاقتصادية أو العسكرية التقليدية. وهنا يظهر مفهوم القوة الجغرافية للممرات البحرية، فالدولة التي لا تستطيع السيطرة على النظام الدولي تستطيع، في ظروف معينة، التأثير فيه من خلال التحكم في نقطة اختناق استراتيجية، وقد أظهرت الحرب أن مضيقاً لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه عشرات الكيلومترات يمكن أن يصبح أكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي من ساحات عسكرية واسعة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في المقابل تكلفة على إيران نفسها؛ لأن استمرار إغلاق المضيق يقلص صادراتها النفطية، ويؤثر على حركة التجارة في دول الخليج، ويضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة والقوى البحرية الدولية، ولذلك فإن استخدام هرمز كأداة ضغط يمثل استراتيجية إكراه متبادل أكثر من كونه وسيلة لتحقيق انتصار عسكري حاسم. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال المرحلة التالية من الحرب، ففي يونيو 2026 أدى التوصل إلى مذكرة تفاهم مؤقتة بين واشنطن وطهران إلى زيادة حركة الملاحة وانخفاض أسعار النفط، ما دفع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى رفع توقعاتها بشأن عودة إنتاج النفط العالمي إلى مستويات قريبة من مستويات ما قبل الحرب، لكن استئناف القتال في يوليو أعاد حالة عدم اليقين إلى الأسواق.
ومن ثم، فإن الحرب أثبتت أن الممر البحري أصبح جزءاً من عملية التفاوض نفسها؛ فتح هرمز لم يعد مجرد نتيجة للتهدئة، وإنما تحول إلى أحد شروطها.
ثانياً: هرمز وأمن الطاقة الأوروبي
كان قطاع الطاقة المجال الأكثر مباشرة لتلقي الصدمة الناتجة عن الحرب، فقد أدت اضطرابات هرمز إلى انخفاض الإمدادات النفطية وارتفاع التقلب في الأسواق، وفي الربع الثاني من 2026 وصل سعر خام برنت إلى 118 دولاراً للبرميل في 29 أبريل، قبل أن ينخفض إلى 72 دولاراً في نهاية يونيو مع تحسن توقعات إعادة فتح المضيق.
تكشف هذه الحركة السعرية أن المشكلة الأوروبية ليست بالضرورة نقصاً مادياً فورياً في النفط، بل ارتفاع تكلفة الحصول عليه وعدم اليقين بشأن استمرارية الإمدادات، وقد أكدت المفوضية الأوروبية في يوليو أن الاتحاد الأوروبي لم يواجه في تلك المرحلة مشكلة فورية في إمدادات النفط، بفضل المخزونات التجارية والإمدادات البديلة، لكنها حذرت من أن استمرار الصراع يمكن أن يؤدي إلى تضييق الأسواق خلال الأسابيع والأشهر التالية. وهذا يميز أزمة 2026 عن أزمات الطاقة التقليدية، فالأمن الطاقوي الأوروبي لم يعد يقاس فقط بكمية النفط والغاز المتاحة، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بأمن الطرق التي تصل عبرها الطاقة إلى أوروبا.
في قطاع الغاز تبدو الصورة أكثر حساسية، فقد أدى اضطراب تدفقات الغاز المسال عبر هرمز إلى زيادة الضغط على السوق العالمية، خاصة أن قطر كانت من أبرز المصدرين الذين يعتمدون على المضيق لتصدير الغاز المسال، وتقدر الوكالة الدولية للطاقة أن اضطرابات الحرب أحدثت صدمة كبيرة في سوق الغاز العالمي. وهنا تتضح أهمية المتوسط بالنسبة لأوروبا، فإذا كانت هرمز تمثل نقطة اختناق في الخليج، فإن المتوسط يمتلك مجموعة من البدائل الجزئية، منها:
- الغاز الجزائري المتجه إلى إيطاليا وإسبانيا.
- الغاز الليبي.
- الغاز الطبيعي المسال الذي يصل إلى الموانئ المتوسطية.
- خطوط الأنابيب القادمة من شمال إفريقيا وشرق المتوسط.
- الموانئ التركية والإيطالية والإسبانية والفرنسية.
لذلك أعادت الحرب الاعتبار إلى جنوب المتوسط كمجال للأمن الطاقوي الأوروبي.
وتبرز الجزائر بصورة خاصة، فإيطاليا تعتمد على الجزائر باعتبارها مورداً رئيسياً للغاز، كما تعد الجزائر من أكبر موردي الغاز للاتحاد الأوروبي، وقد أشارت دراسة لمعهد الدراسات السياسية الدولية الإيطالي إلى أن أزمة هرمز عززت أهمية الجزائر بالنسبة لأمن الطاقة الأوروبي والمتوسطي. لكن تحويل المتوسط إلى بديل عن الخليج لا يعني إمكانية تعويض هرمز بالكامل، فالبنية التحتية المتوسطية محدودة مقارنة بحجم الطلب الأوروبي، كما أن النفط والغاز الجزائريين والليبيين لا يستطيعان ببساطة استبدال كل الكميات المتأثرة في الخليج. ومن هنا فإن التأثير الأعمق للحرب يتمثل في انتقال التفكير الأوروبي من مفهوم تنويع الموردين إلى مفهوم أوسع هو تنويع الجغرافيا الاستراتيجية للإمداد.
ثالثاً: من هرمز إلى باب المندب وقناة السويس
لا تتوقف تداعيات الحرب عند الخليج، فهناك سلسلة جغرافية تبدأ من هرمز، ثم تمر عبر بحر العرب وخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس وصولاً إلى المتوسط. وقد أدى تزامن أزمة هرمز مع التوترات في البحر الأحمر إلى تعقيد المشهد، ففي يوليو 2026 ارتفعت مخاطر الملاحة في باب المندب مع تصعيد جماعة الحوثيين لهجماتها على السفن المرتبطة بالسعودية، ما جعل طريق البحر الأحمر نفسه عرضة لاضطرابات إضافية. وبذلك أصبح أمام شركات النقل البحري خياران : المرور عبر مناطق عالية المخاطر أو تحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، بما يعني زيادة المسافة والوقت واستهلاك الوقود.
وأظهرت بيانات وتجارب النقل خلال الأزمة أن هذا التحول ليس مسألة لوجستية فقط، بل يؤدي إلى زيادة تكلفة التجارة والتأمين وسلاسل التوريد، وقد أشارت تقارير إلى ارتفاع كبير في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بالنسبة للسفن العابرة لهرمز، فيما وصلت الزيادات في بعض التغطيات إلى مستويات مرتفعة للغاية مقارنة بفترة ما قبل الحرب.
وهذا التطور مهم بالنسبة للمتوسط لأن قناة السويس لا تعمل بمعزل عن أمن البحر الأحمر، فإذا أصبحت الطرق المؤدية إليها غير آمنة، فإن الموانئ المتوسطية تتأثر حتى لو كانت بعيدة جغرافياً عن منطقة القتال. وفي هذا السياق، بدأت شركات شحن كبرى في أغسطس 2026 باستئناف بعض الخدمات عبر البحر الأحمر وقناة السويس، في مؤشر على أن الملاحة الدولية تحاول العودة تدريجياً إلى المسارات التقليدية، لكنها لا تزال مرتبطة بتقييمات المخاطر الأمنية.
لذلك يمكن النظر إلى هرمز وباب المندب وقناة السويس والمتوسط باعتبارها سلسلة أمن بحري واحدة، وهذه الحقيقة ترفع الأهمية الاستراتيجية لمصر وقناة السويس ودول جنوب المتوسط، كما تجعل أمن البحر الأحمر جزءاً من الأمن الأوروبي بصورة أكثر وضوحاً.
رابعاً: المتوسط كامتداد للأمن الخليجي
أظهرت الحرب أن الحدود الجغرافية للأمن لم تعد تتطابق مع الحدود السياسية للصراع، فالضربات الإيرانية لم تقتصر على الخليج وإسرائيل، بل امتدت آثارها إلى المجال الأوسع الذي توجد فيه مصالح وقواعد أمريكية وأوروبية، وقد رصدت دراسات أوروبية منذ الأسابيع الأولى للحرب مخاطر وصول تداعيات الصراع إلى شرق المتوسط، بما في ذلك قبرص والقواعد البريطانية في أكروتيري، فضلاً عن احتمالات توسع نطاق العمليات.
ويكتسب شرق المتوسط أهمية خاصة لثلاثة أسباب.
أولاً، وجود قواعد ومنشآت عسكرية غربية، بعضها يستخدم في العمليات أو الدعم اللوجستي.
ثانياً، وجود بنية للطاقة البحرية وخطوط نقل الغاز ومشاريع الربط.
ثالثاً، قرب المنطقة من بؤر الصراع في لبنان وسوريا وإسرائيل.
ومن ثم فإن استمرار الحرب أو تجددها يمكن أن يرفع مستوى عسكرة شرق المتوسط، حتى من دون استهداف مباشر لدوله.
وقد انعكس ذلك على النقاش داخل حلف شمال الأطلسي، فقد أكد الأمين العام للحلف في يوليو أن إيران تقع خارج المجال الجغرافي للناتو، وأن التعامل معها يتم أساساً عبر الدول الأعضاء بصورة فردية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أهمية إعادة فتح هرمز وعدم امتلاك إيران لقدرات نووية وصاروخية تهدد الحلفاء. وتكشف هذه المواقف عن معضلة أوروبية واضحة: أوروبا تريد حماية مصالحها في الملاحة والطاقة، لكنها لا تريد بالضرورة الانخراط في حرب أمريكية مفتوحة مع إيران، وهذا التناقض قد يصبح أحد أهم محددات السياسة الأوروبية خلال المرحلة المقبلة.
خامساً: الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإعادة توزيع القوة
أعادت الحرب تنشيط التنافس بين القوى الكبرى على المنطقة، بالنسبة للولايات المتحدة، كشفت الحرب أن واشنطن ما زالت تمتلك قدرة عسكرية ضخمة على العمل في الشرق الأوسط وحماية المصالح البحرية، لكنها في الوقت نفسه تواجه تكلفة استراتيجية كبيرة عندما تتحول حماية الممرات البحرية إلى التزام عسكري طويل الأمد. أما روسيا، فقد استفادت بصورة غير مباشرة من اضطراب سوق الطاقة ومن انشغال الولايات المتحدة عسكرياً في الشرق الأوسط، بينما استمرت في تطوير علاقاتها مع إيران، وتظهر تقديرات بحثية أن موسكو قدمت لطهران دعماً استخباراتياً وتقنياً خلال الحرب، رغم عدم تدخلها العسكري المباشر فيها.
لكن أهمية روسيا بالنسبة للمتوسط لا تتوقف على علاقتها بإيران، فروسيا تنظر إلى المتوسط باعتباره مجالاً مهماً للوجود البحري والجوي وللتأثير في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبالتالي فإن انشغال واشنطن بالخليج قد يمنح موسكو هامشاً أوسع للمناورة في ملفات أخرى، حتى لو كان محدوداً بفعل الضغوط العسكرية والاقتصادية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. أما تركيا، فتحتل موقعاً مختلفاً، فهي عضو في الناتو، لكنها في الوقت نفسه تمتلك علاقات مع إيران وروسيا ودول الخليج، كما أن موقعها الجغرافي يجعلها صلة وصل بين الخليج والبحر الأسود والمتوسط وأوروبا.
ولهذا يمكن أن تتحول تركيا إلى أحد المستفيدين الاستراتيجيين من إعادة تشكيل طرق الطاقة والتجارة، خصوصاً إذا اتجهت أوروبا إلى تعزيز طرق بديلة لا تمر عبر هرمز. لكن هذا الدور يظل محكوماً بمشكلة أساسية: كلما توسعت الحرب، ازدادت الضغوط على أنقرة للاختيار بين التزاماتها الأطلسية وعلاقاتها الإقليمية.
سادساً: الاتحاد الأوروبي وإشكالية الاستقلال الاستراتيجي
أعادت الحرب اختبار مفهوم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، فمن جهة، لا يستطيع الاتحاد الأوروبي تجاهل الأمن الأمريكي، لأن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الرئيسية القادرة على حماية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، ومن جهة أخرى، كشفت الحرب أن الاعتماد المفرط على الحماية الأمريكية يجعل أوروبا معرضة لتقلبات القرارات الأمريكية.
وقد اتخذ الاتحاد الأوروبي خلال الأزمة موقفاً مزدوجاً، فهو دعم حرية الملاحة وفرض إطاراً إضافياً للعقوبات ضد جهات إيرانية مرتبطة بتهديد الملاحة في هرمز، لكنه في الوقت نفسه أكد أهمية الحل الدبلوماسي، وفي مايو 2026 وسع مجلس الاتحاد الأوروبي الإطار القانوني للعقوبات ليشمل أفراداً وكيانات مرتبطة بالسياسات الإيرانية التي تهدد حرية الملاحة في المنطقة.
وفي يونيو رحب المجلس الأوروبي بمذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية، واعتبرها فرصة لاستعادة حرية الملاحة في هرمز، مع التأكيد على ضرورة تنويع طرق الطاقة وتقليل تعرض أوروبا للممرات شديدة الحساسية. وهنا تظهر المفارقة: الأزمة دفعت أوروبا في الوقت نفسه إلى الاقتراب من الولايات المتحدة أمنياً والابتعاد عنها استراتيجياً.
الاقتراب يحدث لأن أوروبا تحتاج إلى القوة الأمريكية لحماية الملاحة، والابتعاد يحدث لأن استمرار الاعتماد على القرار الأمريكي يجعل الأمن الأوروبي رهينة لصراعات قد لا تكون أولوياتها أوروبية.
سابعاً: إيطاليا وفرنسا وشمال إفريقيا في معادلة ما بعد هرمز
يمتلك جنوب أوروبا مصلحة مباشرة في إعادة تشكيل منظومة أمن الطاقة، فإيطاليا تبدو من أكثر الدول الأوروبية استفادة من تنامي أهمية المتوسط، بسبب موقعها الجغرافي وصلاتها بالطاقة الجزائرية والليبية ومشاريع الربط مع شمال إفريقيا.
أما فرنسا، فتنظر إلى الأزمة من منظور أوسع يشمل أمن المتوسط وشمال إفريقيا والساحل، ولذلك فإن أي إعادة انتشار للقوات الأمريكية أو الأوروبية في المنطقة، أو أي تصعيد جديد، سيكون له تأثير في الحسابات الفرنسية بشأن الأمن الإقليمي.
وتبرز هنا الجزائر بوصفها فاعلاً متزايد الأهمية، فارتفاع أهمية الغاز الجزائري لا يعني فقط زيادة العائدات الاقتصادية، وإنما يمنح الجزائر وزناً تفاوضياً أكبر في علاقتها مع أوروبا، كما أن قرب الجزائر من أوروبا، مقارنة بمصادر الغاز البعيدة، يقلل جزءاً من المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية.
لكن الجزائر تواجه معادلة دقيقة: فهي معنية باستقرار المتوسط، لكنها لا ترغب في تحويل المنطقة إلى مجال للمواجهة العسكرية بين القوى الكبرى، ومن ثم فإن تنامي الطلب الأوروبي على الطاقة قد يترافق مع تنامي الطلب الأوروبي على التعاون الأمني، وهو ما قد يضع الجزائر أمام ضرورة إدارة التوازن بين الشراكة الاقتصادية والاستقلالية السياسية. أما ليبيا ومصر، فتزداد أهميتهما من خلال موقعهما في شرق ووسط المتوسط، سواء بالنسبة للطاقة أو الهجرة أو أمن قناة السويس.
وهكذا يمكن القول إن الحرب دفعت شمال إفريقيا إلى الاقتراب أكثر من قلب الحسابات الاستراتيجية الأوروبية، لا بسبب انتقال الحرب إليها، وإنما بسبب تغير قيمة موقعها الجغرافي.
ثامناً: الهجرة والأمن الاقتصادي والاجتماعي
قد تبدو الهجرة نتيجة ثانوية للحرب، لكنها قد تتحول إلى عنصر استراتيجي إذا طال أمد الصراع، حتى منتصف 2026 لم تسجل وكالات الاتحاد الأوروبي زيادة واسعة ومستمرة في طلبات اللجوء الإيرانية، فقد سجل الاتحاد الأوروبي ودول أوروبا المرتبطة بنظام EU+ نحو 800 طلب من مواطنين إيرانيين في مارس، وهو مستوى لم يكن يمثل تحولاً كبيراً في إجمالي طلبات اللجوء.
لكن عدم ظهور موجة كبيرة في البداية لا يعني غياب المخاطر المستقبلية، فاستمرار الحرب قد يؤدي إلى تحركات سكانية من إيران أو العراق أو لبنان أو مناطق أخرى متأثرة بالصراع، وقد تتقاطع هذه التحركات مع مسارات الهجرة القائمة أصلاً من ليبيا وتونس والجزائر وشرق المتوسط.
وتتعامل أوروبا مع الهجرة في سياق أمني متزايد، إذ أطلقت المفوضية الأوروبية في يناير 2026 استراتيجية خمسية للهجرة واللجوء ركزت على إدارة الحدود والتعاون مع دول العبور والشراكات الخارجية.
ومن ثم فإن استمرار الحرب الأمريكية–الإيرانية قد يؤدي إلى ربط ثلاث قضايا كانت تعالج بصورة منفصلة نسبياً: الطاقة والهجرة والأمن البحري.
وهذا الربط ستكون له تداعيات مباشرة على دول جنوب المتوسط، التي قد تتحول من مجرد دول عبور إلى شركاء أمنيين أساسيين للاتحاد الأوروبي.
تاسعاً: لماذا لا يمكن اختزال تداعيات الحرب في أسعار النفط؟
القراءة الاقتصادية البسيطة للأزمة تنظر إلى ارتفاع النفط والغاز بوصفه النتيجة الأساسية. إلا أن التحليل الجيوسياسي يكشف مجموعة أوسع من التحولات، أولها أن الدول بدأت تنظر إلى الممرات البحرية بوصفها أصولاً استراتيجية يجب حمايتها، وثانيها أن الشركات باتت تضع المخاطر الجيوسياسية في صلب قرارات الاستثمار والنقل والتأمين، أما ثالثها أن الدول الأوروبية أصبحت أكثر اهتماماً بمصادر الطاقة القريبة، حتى لو كانت أغلى أو محدودة الحجم، رابعها أن قيمة بعض الدول الجغرافية ارتفعت بصورة غير مباشرة، فالجزائر، ومصر، وإيطاليا، وتركيا، واليونان، وليبيا، أصبحت أكثر أهمية في حسابات الممرات البديلة.
وخامسها أن مفهوم القوة نفسه أصبح أكثر ارتباطاً بالقدرة على تعطيل التدفقات وليس فقط القدرة على تدمير المنشآت العسكرية.
وهذا ينسجم مع المقاربة الواقعية الجديدة التي تنظر إلى النظام الدولي باعتباره نظاماً تنافسياً تسعى فيه الدول إلى تقليل هشاشتها أمام الآخرين. وفي هذا السياق لا تعني القوة امتلاك الموارد فقط، وإنما امتلاك القدرة على منع الخصم من التحكم في الموارد أو طرق الوصول إليها.
ومن منظور الأمن الإقليمي، فإن الحرب أكدت كذلك أن الأقاليم الأمنية ليست كيانات مغلقة، فالخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط وأوروبا تشكل منظومة أمنية متداخلة، تنتقل فيها التهديدات من منطقة إلى أخرى عبر الطاقة والملاحة والهجرة والقواعد العسكرية.
عاشرًا: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: التهدئة وإعادة فتح هرمز
يفترض هذا السيناريو نجاح المساعي الدبلوماسية الأمريكية–الإيرانية في إعادة تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة فتح المضيق بصورة مستقرة. ويمثل هذا السيناريو الأقل تكلفة بالنسبة لأوروبا والأسواق العالمية، لكنه لا يعني العودة الكاملة إلى الوضع السابق. فقد أظهرت الأزمة أن الاعتماد على هرمز يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية. لذلك ستستمر أوروبا في تنويع مصادر الطاقة، حتى بعد عودة الملاحة إلى مستويات طبيعية.
احتمال التحقق: متوسط إلى مرتفع، لكنه مشروط باستمرار التفاوض وتقديم ضمانات متبادلة.
السيناريو الثاني: حرب منخفضة الوتيرة وأزمة ممرات بحرية
يقوم هذا السيناريو على استمرار المواجهة دون العودة إلى حرب شاملة، وقد تبقى هرمز مفتوحة جزئياً، مع استمرار الهجمات والتهديدات وارتفاع تكاليف التأمين. وهذا السيناريو هو الأكثر إرباكاً للاقتصاد الأوروبي؛ لأنه لا يؤدي بالضرورة إلى نقص كامل في الطاقة، لكنه يحافظ على مستوى مرتفع من عدم اليقين. وقد ظهرت مؤشرات على هذا الاتجاه بالفعل، إذ عادت الهجمات على السفن بعد فترة التهدئة، بينما حذرت المنظمة البحرية الدولية من المخاطر التي تواجه البحارة والملاحة التجارية.
احتمال التحقق: مرتفع إذا فشلت الأطراف في الوصول إلى تسوية نهائية.
السيناريو الثالث: تصعيد إقليمي واسع
يفترض هذا السيناريو اتساع دائرة المواجهة لتشمل الخليج والبحر الأحمر ولبنان وسوريا وشرق المتوسط، مع ارتفاع احتمال استهداف القواعد أو السفن أو البنية التحتية للطاقة. وفي هذه الحالة ستكون أوروبا أمام أزمة مركبة: ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب الملاحة، زيادة الضغط على الموانئ ومسارات الإمداد، واحتمالات ارتفاع الهجرة. كما يمكن أن يؤدي التصعيد إلى زيادة الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة عسكرياً، في الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات إلى الاستقلال الاستراتيجي.
احتمال التحقق: أقل من سيناريو الأزمة الممتدة، لكنه الأكثر خطورة.
السيناريو الرابع: إعادة تشكيل جيوسياسية للفضاء الأورومتوسطي
وهو السيناريو الأكثر أهمية على المدى المتوسط. لا يفترض انتهاء الحرب فقط، بل يفترض أن تؤدي الأزمة إلى إعادة بناء منظومة الطاقة والممرات والأمن في أوروبا والمتوسط. في هذا السيناريو تصبح الجزائر ومصر وتركيا ودول شرق المتوسط أكثر أهمية في الاستراتيجية الأوروبية، بينما تتجه أوروبا إلى زيادة الاستثمار في الغاز الطبيعي المسال والطاقة المتجددة وخطوط الأنابيب والموانئ. وتتحول حماية المتوسط من سياسة بحرية محدودة إلى عنصر في استراتيجية الأمن الاقتصادي الأوروبي.
احتمال التحقق: مرتفع على المدى المتوسط، بغض النظر عن نتيجة الحرب المباشرة.
خاتمة
أثبتت الحرب الأمريكية–الإيرانية لعام 2026 أن أمن الخليج لا يمكن فصله عن أمن المتوسط وأوروبا، فقد تحول مضيق هرمز من ممر للطاقة إلى أداة في الصراع السياسي والعسكري، بينما امتدت آثار اضطرابه إلى باب المندب وقناة السويس والأسواق الأوروبية.
ولا تكمن أهمية الأزمة في الارتفاعات المؤقتة لأسعار النفط والغاز، بل في كشفها مستوى الهشاشة الكامن في النظام العالمي للطاقة والملاحة، فقد أصبح واضحاً أن السيطرة على نقاط الاختناق البحرية يمكن أن تمنح الدول قوة استراتيجية تفوق في بعض الحالات وزنها الاقتصادي التقليدي.
كما أعادت الحرب الاعتبار إلى جنوب المتوسط باعتباره مجالاً للأمن الطاقوي الأوروبي، فالجزائر وإيطاليا ومصر وليبيا وتركيا وغيرها أصبحت جزءاً من حسابات تنويع الطاقة والممرات، بينما بات الاتحاد الأوروبي أكثر وعياً بأن أمنه الاقتصادي يرتبط بقدرته على تقليل تعرضه لصدمات جيوسياسية خارج حدوده.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذه التحولات باعتبارها بداية انتقال مركز الصراع من الخليج إلى المتوسط. الأرجح أن العلاقة ستكون أكثر تعقيداً: الخليج سيظل مركزاً رئيسياً للطاقة والصراع، بينما سيزداد المتوسط أهمية باعتباره مجالاً لإدارة تداعيات هذا الصراع وموازنة مخاطره.
وعليه، فإن المسألة الأساسية بالنسبة لأوروبا ودول جنوب المتوسط ليست فقط كيفية التعامل مع الحرب الأمريكية–الإيرانية، وإنما كيفية بناء منظومة أكثر مرونة في مواجهة الأزمات المقبلة، ويشمل ذلك تنويع مصادر الطاقة، وحماية الممرات البحرية، وتطوير آليات تعاون أمني إقليمي، وتعزيز الدور الدبلوماسي الأوروبي، مع تجنب عسكرة المتوسط وتحويله إلى جبهة إضافية في صراع القوى الكبرى.
قائمة المراجع
أولاً: المصادر والتقارير الرسمية
- European Commission. “Oil Coordination Group Confirms No Immediate Supply Concerns in the EU.” Directorate-General for Energy, 24 July 2026.
- European Commission. “Commission Assesses with EU Countries the Security of Oil and Gas Supply as the Conflict in the Middle East Continues.” 30 April 2026.
- European Commission. “Statement on the Agreement between the United States and Iran.” Directorate-General for the Middle East, North Africa and the Gulf, 15 June 2026.
- European Council. “EU Position on the Situation in the Middle East.” Updated July 2026.
- European Union Agency for Asylum. “Latest Asylum Trends in EU+ Countries.” 3 June 2026.
- International Energy Agency. Gas Market Report, Q3-2026. Paris: IEA, 2026.
- International Energy Agency. Oil Market Report – July 2026. Paris: IEA, 2026.
- International Maritime Organization. “IMO Council Reaffirms Commitment to Protecting Vital Shipping Lanes.” 13 July 2026.
- International Maritime Organization. “IMO Secretary-General Condemns New Attacks on Ships in the Strait of Hormuz.” 8 July 2026.
- NATO. “Press Conference by NATO Secretary General Mark Rutte Following the Meeting of Heads of State and Government at the 2026 NATO Summit.” 8 July 2026.
- United Nations. “Secretary-General’s Remarks to the Security Council Meeting on the Situation in the Middle East.” 28 February 2026.
- U.S. Energy Information Administration. “Petroleum Markets Responded to Disruptions in the Middle East in the Second Quarter.” 15 July 2026.
- U.S. Energy Information Administration. “EIA Increases Global Oil Production Forecast after the Opening of the Strait of Hormuz.” 7 July 2026.
ثانياً: الدراسات والتقارير
- Aylett, Chris, and Zissis Marmarelis. “Even Hormuz Reopening Will Not Resolve Europe’s Key Energy Vulnerability.” Chatham House, 18 June 2026.
- Ferragamo, Mariel. “The Strait of Hormuz: A U.S.-Iran Maritime Flash Point.” Council on Foreign Relations, July 2026.
- Joja, Iulia. “Russia’s Wartime Support for Iran.” Middle East Institute, 3 June 2026.
- Martini, Lorena Stella, and Giulia Signorelli. “Algeria e sicurezza energetica nel Mediterraneo: prospettive, sfide e opportunità.” ISPI, 19 June 2026.
- Pierini, Marc. “The Iran War’s Dangerous Fallout for Europe.” Carnegie Endowment for International Peace, 12 March 2026.
ثالثاً: المراجع النظرية
- Buzan, Barry, and Ole Wæver. Regions and Powers: The Structure of International Security. Cambridge: Cambridge University Press, 2003.
- Keohane, Robert O., and Joseph S. Nye Jr. Power and Interdependence. 4th ed. Boston: Longman, 2012.
- Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. Reading, MA: Addison-Wesley, 1979.
- Yergin, Daniel. The New Map: Energy, Climate, and the Clash of Nations. New York: Penguin Press, 2020.
رابعاً: مصادر صحفية دولية
- Associated Press. “With US-Iran Talks Stalled, Diplomatic Efforts Expand to Unlikely European Players.” 15 August 2026.
- Reuters. “White House Sends Text of Interim US-Iran Agreement to US Congress.” 18 June 2026.
- Reuters. “Oil Climbs 5% as Iran, US Both Demand Compensation and Hormuz Hopes Fade.” August 2026.
- Reuters. “Add a Month at Sea and $2.5 Million: What It Costs Oil Tankers to Flee Hormuz and Bab el-Mandeb.” 23 July 2026.
- Reuters. “Iran Defiant on Strait as Trump Tells Americans to Accept High Gasoline Prices.” 14 August 2026.




