ردًا على الهجمات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، منذ 28 فبراير 2026، في إطار عملية “الغضب الملحمي” أو “زئير الأسد” طبقًا للتسمية الإسرائيلية، لجأت الحكومة الإيرانية، ضمن خيارات الرد والتصعيد، إلى إغلاق مضيق هرمز الإستراتيجي أمام السفن وحاويات النفط، عبر استخدامها الألغام البحرية، والزوارق السريعة، فضلًا عن الطائرات المسيرة، تاركة الاقتصاد العالمي يواجه صدمة عنيفة، في ظل التداعيات التي خلفها هذا الإغلاق على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، ولم ينته الأمر عند هذا الحد، إذ باشرت طهران بفرض رسوم ملاحية على ناقلات النفط والغاز التي تمر عبر هذا المضيق، معلنة نيتها التحكم في هذا المسار الملاحي وإخضاعه مباشرة لإدارتها، والاستمرار في تحصيل الرسوم حتى بعد انتهاء الأعمال العسكرية، من أجل تمويل إعادة إعمار البلاد، في خطوة تمثل سابقة تاريخية تسعى من خلالها الجمهورية الإسلامية إلى إعادة تشكيل قواعد الملاحة البحرية في مضيق هرمز وتوظيف الجغرافيا كسلاح اقتصادي، مما يثير تساؤلات جوهرية حول حق إيران القانوني في إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية وفرضها رسومًا انتقائية على السفن؟
تستعرض هذه الورقة كيف تهدد الحرب على إيران والتوترات الجيوسياسية المصاحبة لها في منطقة الشرق الأوسط بإعادة تشكيل قواعد الملاحة البحرية في مضيق هرمز، عبر تحويله من معبر دولي مفتوح إلى ممر يخضع لعبور مشروط وقواعد ملاحية جديدة. وتحقيقًا لهذه الغاية، تنقسم الورقة إلى أربعة محاور رئيسية؛ حيث يتناول المحور الأول الخصائص الجغرافية والأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمُز، ويعالج المحور الثاني المركز القانوني لمضيق هرمز في ضوء أحكام القانون الدولي للبحار، فيما يناقش المحور الثالث الإجراءات الأحادية التي اتخذتها إيران في المضيق، بإغلاقه أولًا ثم التهديد بفرض رسوم ملاحية، وأخيرًا، يحاول المحور الرابع مقاربة هذه الإجراءات من منظور القانون الدولي للوقوف على مدى شرعيتها.
أولاً: مضيق هرمز.. الخصائص الجغرافية والأهمية الإستراتيجية
يقع مضيق هرمز في جنوب غرب آسيا، ويشكل نقطة اختناق محورية تربط بين الخليج العربي من ناحية، وخليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي من ناحية أخرى، كما يفصل الأراضي الإيرانية عن شبه الجزيرة العربية؛ إذ تطل عليه إيران من ناحية الشمال وسلطنة عمان ودولة الإمارات العربية من ناحية الجنوب، وقد سُمي بذلك نسبة إلى مملكة هرمز القديمة، أو نسبة إلى جزيرة هرمز الواقعة في مدخل الخليج العربي، ويعد المضيق المنفذ البحري الوحيد للدول الخليجية للنفاذ إلى المياه المفتوحة، والشريان الحيوي الذي يمدها بنحو 70 في المائة من احتياجاتها الأساسية من السلع والخدمات المختلفة.
وتنتشر حول مضيق هرمز مجموعة من الجزر التي تتراوح أهميتها تبعًا لقربها أو بعدها عن المضيق، وهذه الجزر منها ما يتبع إيران، مثل جزيرة قشم وهي أكبر جزر الخليج العربي، وجزيرة لاراك الواقعة وسط المضيق، وجزيرة هرمز الواقعة إلى الشمال من جزيرة قشم، فيما يتبع بعضها الآخر سلطنة عمان وتقع بمُحاذاة سواحلها، من أهمها جزيرة سلامة وبناتها التي تكمن أهميتها في أنَّ المسافة الفاصلة بينها وبين جزيرة لاراك الإيرانية هي الأضيق اتساعًا داخل المضيق، وبالتالي يتعين على السفن أن تمر خلالها[1]. كما تنتشر عدة جزر أخرى على مقربة من مدخل المضيق، وهي ذات أهمية إستراتيجية كبيرة، مثل جزيرة أبو موسى، جزيرة طنب الكبرى، وجزيرة طنب الصغرى، وهي الجزر الثلاث العربية التي قامت إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي باحتلالها عام 1971 عشية الانسحاب البريطاني من الخليج.

Source: Middle East conflict impacting global shipping routes, RTÉ, 2 March 2026, at: https://n9.cl/x5thv
تكمن أهمية مضيق هرمز في أنه يعد أكثر الممرات المائية أهمية بالنسبة لحركة التجارة الدولية، إذ يربط موانئ النفط في الخليج بالمحيط الهندي وبطرق الملاحة المتجهة نحو الشرق الأقصى وأوروبا وأمريكا الشمالية، ويشكل مضيق هرمز صمام رئيسي يتحكم في تدفق الطاقة من منطقة الخليج إلى معظم الدول الصناعية المستهلكة للنفط، وبالتالي فإنه يمثل الشريان الحيوي لحركة الاقتصاد والتجارة العالمية[2] وتتجلى أهمية المضيق بشكل خاص في أنه يعد أحد أهم الأصول الاستراتيجية للتجارة والاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو خمس الواردات النفطية المنقولة بحرًا (ما يوازي 20 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات البترولية يوميًّا)، فضلًا عن كميات هائلة من الأسمدة وغيرها من السلع الأخرى، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية، وبالتالي شديدة الهشاشة؛ إذ سيؤدي أي تعطيل جزئي له إلى تداعيات فورية على أسعار الطاقة والتأمين البحري وسلاسل الإمداد[3]، وهو ما تجلى بشكل واضح في سياق الحرب الأخيرة على إيران، وتظهر البيانات المتعلقة بصادرات النفط لدول الخليج أهمية مضيق هرمز باعتباره المنفذ البحري الذي تعول عليه حكومات دول المنطقة في توزيع صادراتها النفطية، بنسبة تتراوح بين 66 و97 في المائة، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 100 في المائة لبعض الدول، كإيران، وقطر، والكويت.

Source: Rona Rita David, The Strait of Hormuz and Its Impact on the Global Energy Market, Energy Industry Review, 4 March 2026, at: https://n9.cl/k3j7a
ثانياً: المركز القانوني لمضيق هرمز
بدايةً، عرفت محكمة العدل الدولية المضيق الدولي، في حكمها الصادر في أبريل 1949 بشأن قضية مضيق كورفو Corfu Strait بين المملكة المتحدة وجمهورية ألبانيا، بأنه ممر مائي طبيعي يستخدم في الملاحة الدولية، ويربط بين جزأين من البحار العالية، بصرف النظر عن كمية السفن العابرة فيه[4] وعند تطبيق هذا التعريف على مضيق هرمز، نجد أن هذه العناصر تنطبق كليًّا عليه، فمن ناحية، يعد مضيق هرمز ممرا مائيا طبيعيا محدد الاتساع، وهو من ناحية أخرى يصل بين جزأين من البحر العالي (الخليج العربي وخليج عمان)، ومن ناحية ثالثة، يستخدم للملاحة الدولية.
تكشف الطبيعة البحرية للمضيق، أن مياهه تشكل بحرًا إقليميًا للدول المشاطئة له، وهما إيران وسلطنة عمان، كما أنها تصل بين جزأين من أعالي البحار، وهما الخليج العربي وخليج عمان، ويترتب على ذلك، أن المضيق يخضع لحق المرور العابر الذي لا يجوز إعاقته، والذي أشارت إليه المادة (38) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ومن ثم يحق للسفن والطائرات المرور عبر المضيق، غير أن هذا الحق يبدو أضيق نطاقًا من حرية الملاحة الكاملة إذ يتوجب على الدول ممارسته بسرعة وبلا توقف، وفي الوقت نفسه يعد أقوى من حق المرور البريء كونه مصمم للممرات الدولية التي قد تتعطل وظيفتها إذا تمكنت الدولة المجاورة من قطعها أو تعطيلها[5].
ومما تجدر الإشارة إليه أن الملاحة في مضيق هرمز لا تتحدد تبعا لاتفاقيات دولية خاصة، بل تنتظم وفقًا لقواعد العرف الدولي، باعتبارها أحد مصادر القانون الدولي للبحار، والتي استقرت عليها الممارسة الدولية خلال العقود الماضية وأصبحت بمثابة قواعد قانونية ملزمة، وبموجب المادة (34) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لا يؤثر نظام المرور في مضيق هرمز، بأي حال، على الوضع القانوني للمياه الإقليمية التي تتشكل منها حدود المضيق، ولا ينتقص من حق الدول المشاطئة له في ممارستها لسيادتها أو ولايتها على هذه المياه وحيزها الجوي وقاعها وباطن أرضه، وبناءً على ذلك، يحق لإيران وكذلك سلطة عمان، ممارسة بعض الحقوق السيادية في مياه المضيق التي تشكل جزءًا من مياههما الإقليمية، مثل حقوق الصيد، أو مد الكابلات البحرية، أو القيام بدوريات أمنية للمراقبة لمنع أي تهديد تتعرض له الملاحة البحرية.

المصدر: الشكل من إعداد الباحث بالرجوع إلى نصوص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
علاوة على ذلك، يحق للسفن الأجنبية، تحت أي علم، المرور عبر هذا المضيق، دون الحصول على إذن مسبق من الدول المشاطئة له، طالما كان هذا المرور متواصلًا وسريعًا، ويقع على كاهل الدول المشاطئة للمضيق (إيران، وسلطنة عمان) الالتزامات الدولية المقررة بموجب اتفاقية قانون البحار لعام 1982، مثل صيانة المضيق وتوفير الوسائل اللازمة لتيسير الملاحة وضمان السلامة أثناء المرور، والإعلان عن وجود أي خطر يهدد الملاحة أو التحليق داخل المضيق، سواءً كان هذا الخطر ناجمًا عن تلوث المياه بمواد ضارة، أو نتيجة لوجود ألغام بحرية في المضيق، إضافةً إلى ذلك، لا يجوز لأي دولة أن تفرض رسومًا مقابل مرور السفن الأجنبية عبر مضيق هرمز، ويستثنى من ذلك الرسوم التي تدفعها السفينة مقابل خدمات تتحصل عليها، كما لا يجوز لها أيضًا وقف الملاحة في المضيق أو إغلاقه، وإلا فإنها تتحمل المسؤولية الدولية كاملةً جراء ارتكابها هذا السلوك[6].
ثالثاً: توظيف الجغرافيا كسلاح للضغط .. الإجراءات الإيرانية في مضيق هرمز
شنت الولايات المتحدة ومعها إسرائيل، منذ 28 فبراير 2026، حملة عسكرية ضد إيران، استهدفتا من خلالها تقويض النظام الإيراني وتفكيك قدراته العسكرية، وبخاصة برنامجيه النووي والصاروخي، ومنذ اليوم الأول، أدت الهجمات الأمريكية/ الإسرائيلية إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد كبير من قادة الصف الأول من السياسيين والعسكريين، ردًا على ذلك، قامت طهران بتنفيذ هجمات صاروخية، باستعمال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، ضد إسرائيل والقواعد والمنشآت الأمريكية في دول الخليج.
ومع تصاعد وتيرة الصراع، أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، مما تسبب في تعطيل سلاسل الإمداد واختناق أسواق الطاقة العالمية، في خطوة سعت من خلالها إيران إلى توظيف الجغرافيا كأداة للضغط السياسي والاقتصادي، من خلال إجبارها المجتمع الدولي على تقاسم أعباء الحرب وكلفتها المرتفعة معها، بحيث لا تكتفي أطرافه بدور المراقب، وأن تقوم بدلًا من ذلك بالضغط على الدول المعتدية لوقف عدوانها والتحول نحو المسار الدبلوماسي، وهو ما نجحت بالفعل في تحقيقه.
لم تقتصر تبعات هذا التصعيد العسكري على إغلاق مضيق هرمز وتعطيل حركة الملاحة فيه، بل تطور الأمر وصولًا إلى إفصاح الحكومة الإيرانية عن رغبتها في السيطرة على المضيق وفرض رسوم ملاحية على السفن التي تمر عبره، جاء الإعلان عن هذه الخطوة ضمن مقترح العشر نقاط الذي سلمته طهران إلى الإدارة الأمريكية عبر الوسيط الباكستاني في 7 أبريل 2026، وهو المقترح الذي وافق بموجبه الطرفان على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، مقابل فتح مضيق هرمز أمام الملاحة والدخول في مفاوضات مباشرة بالعاصمة الباكستانية إسلام إباد من أجل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب بشكل دائم. وتقدر بعض المصادر قيمة الرسوم التي تدرس الحكومة الإيرانية فرضها على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز إلى دولار واحد مقابل كل برميل نفط، ما يعني أن ناقلة النفط العملاقة قد تدفع ما يصل إلى مليوني دولار مقابل العبور، على أن تخصص هذه العوائد المالية لإعادة إعمار إيران بعد نهاية الحرب.
رابعاً: كيف تمثل هذه الإجراءات تغييرًا في قواعد الملاحة وانتهاكًا للقانون الدولي؟
بررت إيران سلوكها بإغلاق مضيق هرمز، بأنه إجراء مشروع ويتسق مع حقها في الدفاع عن النفس بموجب أحكام القانون الدولي، معتبرةً أن منع السفن من الملاحة في مضيق هرمز يستهدف فقط الدول المعادية، لكن الممارسة على أرض الواقع جاءت مخالفة لهذا الخطاب، حيث تعرضت آلاف السفن للاحتجاز ولم يُسمح لها بالعبور، سواء تعلق الأمر بالسفن المعادية أو تلك السفن التي ترفع أعلام الدول المحايدة، وهو ما يعد مخالفًا للقانون الدولي، ولاسيما قانون النزاعات المسلحة، الذي وإن كان يسمح للدولة المشاطئة للمضيق، ضمن حدود معينة، بتقييد حركة الملاحة أمام سفن الدول المعادية أو المتعاونة معها، إلا أنه يشترط أن يقتصر هذا التقييد على السفن الحربية ولا يمتد ليشمل السفن المدنية، كالسفن المستخدمة في نقل البضائع وحاويات النفط، إلا إذا كانت تقدم دعمًا أو اسنادًا يدعم المجهود الحربي للدولة أو الدول المعادية، خاصة إذا لم يكن هناك بديلًا آخر للمضيق أو الممر البحري الذي يقع ضمن منطقة النزاع.
عند فحص الذرائع التي تستند إليها الحكومة الإيرانية لتبرير أفعالها في مضيق هرمز، نجد أنها تتعارض كليًّا مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي كما أشرنا، أقرت مبدأ “المرور العابر” في المضائق الدولية، الذي يكفل للسفن والطائرات عبورًا سريعًا ومتواصلًا بحيث لا ينطوي على أي تهديد للدول المشاطئة، وأن يكون هذا العبور مجانيًّا، فلا يحق فرض أي رسوم إلا مقابل الخدمات التي تتحصل عليها السفينة أو تقدم لأفراد طاقمها، بالإضافة إلى ذلك، تشكل هذه الإجراءات الإيرانية الأحادية تجاهلًا متعمدًا لسلطنة عمان باعتبارها دولة مشاطئة لمضيق هرمز وتتقاسم مع طهران الحقوق السيادية في مياهه، ما يستدعي موافقتها والتشاور معها بشأن أي ترتيبات تخص الملاحة في المضيق وإدارته.
ورغم أن إيران والولايات المتحدة لم تصادقا بعد على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إلا أن القواعد القانونية الناظمة لحركة الملاحة في مضيق هرمز تتسق مع الأحكام العرفية التي أقرتها الممارسة الدولية في هذا الممر الطبيعي واستقرت عليها خلال العقود الماضية، ومن ثم فإن أي اتفاق سياسي بين إيران والولايات المتحدة ينبغي أن يعالج فقط الجوانب السياسية وقضايا الخلاف بين الطرفين، وألا يترتب عليه أي تغيير في أنظمة الملاحة في المضيق بصورة تخالف القواعد القانونية أو العرفية، خاصةً وأن الولايات المتحدة وإسرائيل، وليست الدول الأخرى، هما الطرفان المعنيان بتقديم التعويضات التي تطالب بها إيران جراء الاعتداء عليها.
نخلص مما تقدم إلى أن التدابير الأحادية التي اتخذتها إيران بإغلاقها مضيق هرمز ومحاولة فرض رسوم ملاحية على السفن المارة خلاله تشكل في مجملها ممارسات غير قانونية، كونها تعارض قواعد القانون الدولي وتهدد بارتفاع تكاليف الشحن والنقل البحري، ولا يمكن لهذه الإجراءات أن تجد لها أي سند قانوني يدعمها حتى في حالة وجود اتفاق سياسي بين إيران والولايات المتحدة، فهذه الأخيرة يفترض أنها تتفاوض بشكل أحادي لتأمين مصالحها، لكنها ليست مخولة لتمثيل مصالح المجتمع الدولي أو التفاوض نيابة عنه حتى وإن كانت القوة العظمى الوحيدة في النظام الدولي، كما أن الدول الأخرى ليست ملزمةً بتحميل نفسها تبعات اتفاق ليست جزءًا منه، أو صراع ليست طرفًا فيه.
ومع أن إغلاق مضيق هرمز وتعطيل حركة الملاحة فيه من جانب الحكومة الإيرانية قد أضحى واقعًا بفعل النزاع العسكري المستمر، إلا أنه يمكن التعامل مع هذا الإجراء ومعالجته في سياق المفاوضات بين الجانبين الأمريكي والإيراني، لكن يظل التهديد الأخطر- في اعتقادي- أن تقدم إيران على فرض رسوم عبور على السفن وحاويات النفط حتى بعد انتهاء الأعمال العسكرية، لما سيرتبه ذلك من عواقب وخيمة على الملاحة البحرية، إذ يمثل هذا السلوك انتهاكًا غير مسبوق لأحكام قانون البحار والقواعد العرفية المستقرة منذ زمن طويل، ويهدد بتحويل حرية الملاحة في هذا المضيق من كونها حقًا مكتسبًا بموجب القانون إلى امتياز تمنحه الدولة الإيرانية بشكل انتقائي وتمييزي لأطرافٍ دون غيرها.
في الختام: فإن إغلاق مضيق هرمز، أيًا كانت دوافعه، يمثل انتهاكًا صريحًا وغير مبرَّر لأحكام القانون الدولي لما سيرتبه من تداعياتٍ وخيمة على الأمن الدولي وإمدادات الطاقة. ومع اخفاق المجتمع الدولي في توحيد جهوده لتأمين حركة الملاحة وضمان حريتها في مضيق هرمز، وهو ما تجلَّى في عجزه، حتى تاريخ كتابة هذه الورقة، عن تشكيل تحالف دولي للقيام بهذه المهمة رغم المبادرات التي أطلقتها بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا والمملكة المتحدة، وأيضًا فشل مجلس الأمن الدولي في اعتماد مشروع قرار، تقدَّمت به مملكة البحرين، يدعو إلى اتخاذ جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك الجهود الدفاعية، لضمان تمتع السفن والطائرات بحق المرور العابر في هذا المضيق، وذلك بعد اعتراض روسيا والصين واستخدامهما حق النقض (الفيتو) في السابع من أبريل 2026، فإنَّ هذه الاخفاقات قد تدفع الولايات المتحدة إلى ترك المجتمع الدولي ليتحمل تبعات قراره في هذه المسألة، فتتجه إلى تسوية خلافاتها مع إيران عبر اتفاق لا يتضمن إعادة الوضع في مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب، ممَّا قد يحفز طهران على تنفيذ مخططها وتحويل المضيق إلى ممر سيادي تتحكم فيه بشكل أحادي، الأمر الذي يرسِّخ سابقة تاريخية خطيرة قد تشجع دولًا أخرى على انتهاج سياسات مماثلة تجاه الممرات المائية المجاورة.
من ناحية أخرى، قد تمتد تأثيرات هذه الانتهاكات لتصبح أداةً للضغط والابتزاز بيد التنظيمات والجماعات المسلَّحة، مثل حركة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، التي هدَّدت في السابق حركة الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، تضامنًا مع غزة خلال العدوان الإسرائيلي عليها، وتتزايد هذه المخاوف خاصةً مع اتجاه الحوثيين إلى توسيع علاقاتهم وتحالفهم مع حركة الشباب الإسلامية الناشطة في الصومال، ما يهدد بخلق كماشة على ضفتي مضيق باب المندب وتعطيل حركة الملاحة فيه، أو حتى فرض رسوم ملاحية على السفن لضمان مرورها بشكل آمن.
الإحالات والمراجع:
[1] علي ناصر ناصر، مضيق هرمز والصراع الأمريكي الإيراني (بيروت: دار الفارابي، 2013)، ص ص21، 22.
[2] علي وهب، الصراع الدولي للسيطرة على الشرق الأوسط ، الطبعة الثانية (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2015)، ص137.
[3] Tammy Caner, Pnina Sharvit, The Strait of Hormuz as a Key Theater of War—The Legal Dimension, Institute for National Security Studies, 29 March 2026, available at https://n9.cl/jw6stj
[4] موجز الأحكام والفتاوى والأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية 1948- 1991، منشورات الأمم المتحدة، 1992، ص8.
[5] Edmarverson A. Santos, Iran’s Strait of Hormuz Closure Under International Law, Diplomacy and Law, available at https://n9.cl/5nphr
[6] هشام قدري أحمد، النظام القانوني للبحار على ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (القاهرة: دار مصر للنشر والتوزيع، 2024)، ص 131.
No Result
View All Result