تشهد ليبيا خلال الربع الأول من عام 2026 حالة ممتدة من الانسداد السياسي الهيكلي، تعكس عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها مؤسسات الدولة، وتُهدد تماسكها ووحدتها الإقليمية، فعلى الرغم من إعلان المفوضية الوطنية العليا للانتخابات جاهزيتها الفنية لتنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في منتصف أبريل 2026، يظل هذا الاستحقاق رهينًا بجملة من التحديات الجوهرية، في مقدمتها استمرار الانقسام الحكومي، وتآكل الشرعية المؤسسية، وغياب توافق سياسي مُلزم بين الأطراف الفاعلة.
ويأتي ذلك في سياق مركب تتقاطع فيه الأزمات الاقتصادية مع الانقسامات القضائية، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني وتعدد مراكز القوة المسلحة، بما يُقوض فرص تهيئة بيئة مستقرة لإجراء انتخابات تتسم بالنزاهة والمصداقية. وعليه، تبدو العملية الانتخابية في ليبيا محكومة بمعادلة معقدة، يتوقف نجاحها على مدى قدرة القوى الليبية على التوصل إلى توافقات سياسية داخلية، مدعومة بتفاهمات إقليمية ودولية قادرة على إرساء حد أدنى من الاستقرار المؤسسي والأمني اللازم لإنجاز هذا الاستحقاق.
يستعرض هذا التقدير تطورات المشهد الليبي خلال عام 2026، من خلال تحليل شامل لبنية الأزمة ومحدداتها، بما يشمل خريطة الأطراف الفاعلة، وتباين مصالحها، والسياقين الإقليمي والدولي المحيطين بها، كما يتناول الأبعاد البنيوية التي تعيق التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة، فضلًا عن تقييم انعكاسات الأزمة الليبية على الاستقرار الإقليمي والدولي، ويختتم التقدير بطرح مجموعة من مسارات التحرك المقترحة للتعامل مع تعقيدات الأزمة ودفع العملية السياسية نحو مسار أكثر استقرارًا.
أولاً- المشهد الليبي وتطورات الأزمة في عام 2026
دخلت الأزمة الليبية خلال الربع الأول من عام 2026 مرحلة حرجة، اتسمت بتصاعد حالة الاستعصاء السياسي المركب، والتي تجاوزت نطاق الخلاف التقليدي حول تشكيل السلطة التنفيذية إلى مستوى أعمق يعكس تفتتًا في بنية الشرعية القضائية والمؤسسية، بما يكشف عن أزمة بنيوية ممتدة في هيكل الدولة الليبية، وتتجلى أبرز ملامح هذا المشهد في استمرار حالة الانقسام التنفيذي، من خلال وجود حكومتين متنافستين تتنازعان الشرعية والسيطرة. فمن جهة، تواصل حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مساعيها لتعزيز موقعها السياسي، حيث أقدمت في مارس 2026 على إجراء تعديل وزاري واسع شمل 12 حقيبة، في محاولة لإعادة تشكيل التحالفات السياسية واستقطاب مراكز دعم جديدة داخل إقليم غرب ليبيا.
ومن جهة أخرى، تواصل ما يُعرف بـ”الحكومة الليبية” في الشرق والجنوب، والمدعومة من مجلس النواب والقوات المسلحة العربية الليبية بقيادة المشير خليفة حفتر، ترسيخ نموذج حكم مواز يقوم على مزيج من السيطرة العسكرية والإدارة البيروقراطية، الأمر الذي يعمق من واقع الازدواجية المؤسسية ويكرس الانقسام السياسي والجغرافي داخل الدولة، ويعكس هذا الوضع حالة من التنافس الصفري بين مراكز القوى، في ظل غياب إطار توافقي جامع، وهو ما يُعقد من فرص إعادة توحيد المؤسسات، ويضعف قدرة الدولة على إدارة الاستحقاقات السياسية، وفي مقدمتها العملية الانتخابية، ضمن بيئة مستقرة وقابلة للاستدامة.
وفي هذا السياق، شهدت الفترة الممتدة من أغسطس 2025 حتى فبراير 2026 حراك دولي مكثف بهدف كسر حالة الجمود السياسي، تمثل في خارطة الطريق التي طرحتها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتي، والتي استندت إلى ثلاثة مسارات رئيسية: إنشاء إطار قانوني وتنظيمي قابل للتطبيق لإجراء الانتخابات، وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وإطلاق حوار هيكلي شامل حول قضايا الحوكمة والمصالحة الوطنية. غير أن هذا المسار يواجه تعثر مبكر، خاصة مع الفشل في تنفيذ الخطوات التمهيدية، وعلى رأسها إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الخلافات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، حيث لجأ كل طرف إلى اتخاذ إجراءات أحادية الجانب، أسهمت في تعميق الانقسام داخل المؤسسات السيادية.
وفي موازاة ذلك، دعا رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، في مارس 2026، مختلف الأطراف السياسية إلى الانخراط في حوار وطني شامل يفضي إلى إجراء الانتخابات وإنهاء حالة الانقسام، مؤكدًا تمسك حكومته بعدم تسليم السلطة إلا عبر مسار انتخابي شرعي، وهو موقف يعكس سعي الحكومة في طرابلس إلى إعادة إنتاج شرعيتها من خلال صناديق الاقتراع، في مقابل التشكيك المستمر من الأطراف المنافسة.
وعلى صعيد آخر، مثل اغتيال سيف الإسلام القذافي في 3 فبراير 2026 تطور مفصلي في مسار الأزمة، حيث كان يُنظر إليه كأحد أبرز الفاعلين القادرين على حشد قاعدة اجتماعية واسعة، خاصة في مناطق الجنوب والوسط. ولم يقتصر تأثير هذا الحدث على إقصاء فاعل سياسي محتمل، بل امتد ليُحدث فراغ أمني وسياسي في تلك المناطق، مع تصاعد احتمالات التنافس المسلح بين القوى المحلية الساعية إلى إعادة توزيع النفوذ ووراثة قواعده الاجتماعية.
وفي السياق الأمني، لا تزال العاصمة طرابلس ومحيطها تشهد توترات متكررة ناجمة عن صراعات النفوذ بين التشكيلات المسلحة، بما يعكس استمرار اختلال الترتيبات الأمنية وغياب احتكار الدولة لأدوات القوة، ويؤكد ذلك أن مراكز القوة الفعلية في غرب ليبيا لا تزال موزعة بين فاعلين مسلحين غير خاضعين لرقابة مؤسسية كاملة، وهو ما ينعكس سلبًا على فرص توفير بيئة آمنة لإجراء الانتخابات.
وإلى جانب ذلك، برزت خلال مطلع عام 2026 تطورات إضافية ذات دلالة، من بينها استمرار الانقسام في المؤسسات الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بإدارة الإيرادات النفطية وآليات الإنفاق العام، فضلًا عن تعثر جهود توحيد الميزانية العامة، وهو ما يعزز من اقتصاد الانقسام ويُبقي على الحوافز الدافعة لاستمرار الوضع القائم، كما شهدت بعض مناطق الهلال النفطي توترات محدودة على خلفية النزاع حول توزيع العائدات، الأمر الذي يبرز هشاشة الاستقرار الاقتصادي وارتباطه المباشر بالتوازنات السياسية والعسكرية.
وفي المجمل، يعكس هذا المشهد تداخل معقد بين الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يجعل مسار العملية الانتخابية في ليبيا خلال هذه المرحلة رهينًا ليس فقط بالتوافقات السياسية الداخلية، بل أيضًا بمدى قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على فرض ترتيبات انتقالية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي والأمني.
ثانياً- تحليل الموقف: الأطراف، المصالح، والسياق الإقليمي والدولي
تشهد العملية السياسية في ليبيا المزيد من التشابك، التعقيد، والمصالح المتضاربة التي تحرك الأطراف الفاعلة في المشهد، حيث لم تعد الأزمة مجرد صراع داخلي بل تحولت إلى ساحة لتسوية الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى.
-
الأطراف المحلية وصراع البقاء السياسي:
تتمسك النخب السياسية الحالية في ليبيا بالوضع الراهن الذي يضمن لها الاستمرار في السلطة والوصول إلى الموارد، وهو ما يؤدي لتعطيل أي مسار يقود إلى انتخابات حقيقية. فحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، بقيادة الدبيبة، تسعى لتثبيت شرعيتها من خلال تقديم الخدمات وتوقيع اتفاقيات طاقة ضخمة مع شركات أمريكية وفرنسية تجاوزت قيمتها 20 مليار دولار في يناير 2026، مما يمنحها غطاء اقتصادي ودولي للبقاء. وفي المقابل، يعمل معسكر الشرق بقيادة المشير خليفة حفتر على بناء نظام حكم مواز يتسم بالقوة العسكرية والسيطرة المالية مما يعزز من قدرة هذا المعسكر على فرض شروطه في أي تسوية مقبلة.
أما الأطراف التشريعية (مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة)، فقد أظهرت عجز متكرر عن تجاوز نقاط الخلاف الجوهرية في القوانين الانتخابية، وتحديداً شروط ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية، وتُشير التقارير الأممية إلى أن هذه المؤسسات تعاني من “تآكل المصداقية” لدى الشارع الليبي، حيث ينظر إليها كأدوات لعرقلة التغيير بدلاً من قيادته.
-
السياق الدولي: الدور الأمريكي والوساطة الأممية:
شهد عام 2026 صعود لافت للدور الأمريكي المباشر في ليبيا عبر مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترمب، الذي يتبنى مقاربة “بناء الاستقرار من خلال الصفقات”، وتسعى واشنطن حالياً لتحقيق تكامل اقتصادي وعسكري بين الشرق والغرب كبديل مؤقت للحل السياسي الشامل، وتهدف هذه السياسة إلى ضمان مصالح شركات الطاقة الأمريكية وتهميش النفوذ الروسي المتصاعد في ليبيا والساحل.
وعلى صعيد آخر، تجد الأمم المتحدة نفسها في وضع صعب، حيث تحاول هانا تيتي الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، الحفاظ على مركزية الدور الأممي عبر “الحوار الهيكلي” الذي انطلق في ديسمبر 2025 بمشاركة 120 ممثلاً عن مختلف الفئات، ومع ذلك فإن الانتقادات الروسية لهذه المنصات الحوارية بوصفها “غير تمثيلية كفاية” لشرق وجنوب البلاد تضعف من فرص تحويل مخرجاتها إلى اتفاقات ملزمة.
-
التحولات الإقليمية: التوافق المصري-التركي:
يُعد التقارب بين مصر وتركيا خلال عامي 2025 و2026 أحد أبرز المتغيرات الحاكمة لمسار الأزمة الليبية، حيث أسهم هذا التحول في تقليص احتمالات الانزلاق نحو نزاع مسلح واسع النطاق، فضلًا عن تنامي التنسيق الدبلوماسي، لا سيما فيما يتعلق بدعم مسار إجراء انتخابات وطنية متزامنة، والعمل على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والمؤسسي، ويعكس هذا التحول إدراك متزايد لدى كل من القاهرة وأنقرة لتكلفة استمرار حالة الفوضى في ليبيا، سواء على مستوى التهديدات الأمنية المرتبطة بالحدود والإرهاب، أو على مستوى الفرص الاقتصادية المرتبطة بقطاعي الطاقة وإعادة الإعمار.
كما يسهم هذا التوافق النسبي في تشكيل مظلة توازن إقليمي تحد من تحركات الفاعلين المحليين نحو التصعيد، دون أن يرتقي في الوقت ذاته إلى مستوى الشراكة الكاملة القادرة على فرض تسوية سياسية شاملة. وبالتالي، يظل هذا التقارب عاملًا مُقيدًا للصراع أكثر منه مُنتجًا لحل نهائي، في ظل استمرار تباين المصالح الاستراتيجية لكلا الطرفين داخل ليبيا.
ثالثاً- الأبعاد البنيوية التي تعيق الوصول إلى حل سياسي في ليبيا
تحكم المشهد الليبي مجموعة من العوامل البنيوية والاستراتيجية التي تُعقد مسار العملية السياسية، من أبرزها:
-
اقتصاد الانقسام: يُشكل تعدد مراكز الإنفاق والسلطات المالية حافز مباشر لاستمرار الوضع القائم، في ظل غياب آلية رقابية موحدة وميزانية مركزية، ما يعزز من قوة الأطراف الموازية ويقوّض فرص التوحيد المالي والسياسي.
-
دور الفاعلين المسلحين: لا تزال الميليشيات والكتائب المسلحة عنصر حاسم في معادلة القوة، سواء كأدوات ضغط سياسي أو كضامن أمني للأطراف المختلفة، مع استمرار انتشار شبكات السلاح غير الخاضعة للرقابة.
-
الهشاشة الاجتماعية والقبلية: تتعمق الانقسامات القبلية والمجتمعية، خاصة في الجنوب والوسط، حيث تتقاطع الصراعات المحلية مع مصالح الجماعات المتطرفة وشبكات التهريب العابرة للحدود.
-
غياب مركز شرعية حاسم: الانقسام القضائي والمؤسسي، وعدم وجود محكمة دستورية معترف بها من كافة الأطراف، يجعل أي عملية انتخابية مستقبلية عرضة للطعن والنزاع.
-
الفساد والهيمنة الاقتصادية: استمرار شبكات الفساد المحلية والمنافع الشخصية المرتبطة بالموارد النفطية والعقود الدولية يعزز من مقاومة الأطراف لأي تغييرات سياسية تُهدد مصالحها الاقتصادية.
-
ضعف المؤسسات المدنية: ضعف الأحزاب السياسية والمنظمات المجتمعية يمنع أي تعبئة مجتمعية مؤثرة لدعم المسار الانتخابي أو الضغط على الأطراف الحاكمة لتحقيق توافق وطني.
-
التأثير الإقليمي والدولي: تتداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية مع المشهد المحلي، ما يجعل أي توافق داخلي رهينًا بمدى قدرة هذه القوى على فرض تسويات أو الحفاظ على التوازنات.
-
التهديدات الأمنية العابرة للحدود: انتشار الجماعات المسلحة المرتبطة بالإرهاب، شبكات الاتجار بالمخدرات والأسلحة، والهجرة غير الشرعية، كلها عوامل تزيد هشاشة الدولة وتقلل من قدرة الحكومة على ضمان بيئة مستقرة لإجراء الانتخابات.
-
الإرث السياسي للنظام السابق: الانقسامات بين أنصار النظام السابق والجماعات الليبرالية أو الإسلامية تعقد أي مسار للمصالحة، خاصة بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي، مما يزيد من احتمالية نزاعات حول وراثة النفوذ والموارد.
رابعاً- انعكاسات الأزمة الليبية على الاستقرار الإقليمي والدولي
يؤدي استمرار الانسداد السياسي والانقسام الحكومي في ليبيا إلى تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية، لتمس جوهر الأمن الإقليمي والدولي.
-
تهديد وحدة الدولة وتفكك القضاء: يعد الانقسام القضائي الذي برز بوضوح في عام 2026، مع وجود أحكام متناقضة بين محكمتي طرابلس وبنغازي الدستوريتين، بمثابة زعزعة لوحدة النظام القانوني. هذا التفتت يعني غياب مرجع للبت في شرعية أي حكومة أو برلمان جديد، مما يمهد الطريق لسيناريوهات الانفصال الفعلي أو التقسيم الإداري الدائم.
-
انهيار الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي: يعاني الاقتصاد الليبي من استنزاف هيكلي بسبب آلية “المراجعة المالية” وتعدد أسعار الصرف، حيث فقدت العملة قوتها الشرائية، إن غياب ميزانية موحدة يعني استمرار الإنفاق غير الخاضع للرقابة، مما يغذي الفساد وشبكات التهريب التي تستفيد من حالة الفوضى.
-
الفراغ الأمني ونمو الشبكات العابرة للحدود: أصبحت ليبيا في عام 2026 مركز رئيسي لشبكات الاتجار بالبشر والمخدرات والسلاح المرتبطة بجماعات إرهابية في منطقة الساحل، كما أن مقتل سيف الإسلام القذافي في الجنوب قد يؤدي إلى إعادة إحياء النزاعات القبلية وتوفير بيئة خصبة للجماعات المتطرفة لاستغلال المظالم التاريخية وتفتت القوى الموالية للنظام السابق.
-
الهجرة غير الشرعية وتأثيرها على المتوسط: يشكل غياب سلطة مركزية قوية عائقاً أمام مكافحة تدفقات المهاجرين نحو أوروبا. وتستمر الانتهاكات الجسيمة ضد المهاجرين في مراكز الاحتجاز التي تسيطر عليها ميليشيات مسلحة، مما يضع ليبيا تحت ضغوط دولية مستمرة ويهدد استقرار العلاقات مع دول ضفتي المتوسط.
خامساً- السيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة الليبية في عام 2026
في ظل المشهد السياسي والأمني الراهن، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمستقبل العملية السياسية في ليبيا خلال يناير 2026:
-
السيناريو الأول: استمرار الجمود النشط و”التعايش مع الانقسام” (الأكثر ترجيحًا)
يفترض هذا السيناريو تعثر إجراء الانتخابات المقررة في أبريل 2026، واستمرار حالة الانسداد السياسي ضمن نمط من “الاستقرار الهش”، الذي يجمع بين غياب التسوية السياسية الشاملة واستمرار التهدئة العسكرية النسبية، ويستند هذا السيناريو إلى مجموعة من المبررات، في مقدمتها استمرار الخلافات الجوهرية حول القوانين الانتخابية، وفشل مسارات الحوار الهيكلي في إنتاج توافقات ملزمة، إلى جانب تغليب الأطراف المحلية لمنطق تعظيم المكاسب الاقتصادية المرتبطة بعوائد النفط وعقود إعادة الإعمار.
كما يعزز هذا المسار قدرة النخب السياسية والعسكرية القائمة على التكيف مع الضغوط الدولية واحتوائها، دون تقديم تنازلات جوهرية تمس مواقعها في السلطة، ويترتب على ذلك استمرار التآكل التدريجي لمؤسسات الدولة، وتصاعد مستويات الاحتقان الشعبي نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية، فضلًا عن ترسيخ أنماط الحكم القائمة على الأمر الواقع في الشرق والغرب، بما يقارب تثبيت الانقسام كحالة شبه دائمة.
يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا في ضوء توازنات القوة الراهنة، وغياب حوافز داخلية كافية لإحداث اختراق سياسي، مقابل ارتفاع كلفة التصعيد العسكري، وهو ما يدفع الأطراف إلى تفضيل إدارة الأزمة بدلًا من حلها.
-
السيناريو الثاني: فرض “حكومة موحدة” جديدة وتأجيل تقني للانتخابات (الأقل ترجيحًا)
يقوم هذا السيناريو على نجاح ضغوط دولية، خاصة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها، في الدفع نحو إعادة تشكيل السلطة التنفيذية من خلال إزاحة الحكومتين القائمتين، واستبدالهما بحكومة موحدة تتولى الإعداد لاستحقاق انتخابي مؤجل إلى نهاية عام 2026 أو مطلع 2027.
وتتأسس فرص تحقق هذا السيناريو على عدد من المؤشرات الداعمة، من بينها تنامي التنسيق العسكري بين الأطراف المتنازعة كما ظهر في تدريبات سرت المشتركة، وإمكانية حدوث تفاهمات إقليمية – لا سيما بين مصر وتركيا – حول صيغة السلطة التنفيذية الجديدة، فضلًا عن لجوء البعثة الأممية إلى تفعيل آليات بديلة لتجاوز حالة الجمود المؤسسي في مجلسي النواب والدولة، ومن شأن تحقق هذا السيناريو أن يفضي إلى استعادة حد أدنى من الوحدة المؤسسية، وبدء مسار إصلاحات مالية موحدة، إلى جانب تقليص النفوذ السياسي للميليشيات تدريجيًا.
إلا أن هذا السيناريو، يعتبر الأقل ترجيحًا فرغم وجود إرادة دولية داعمة، إلا أن هذا السيناريو يواجه عقبات بنيوية، أبرزها مقاومة النخب المحلية لأي ترتيبات قد تُقصيها من السلطة، فضلًا عن تعقيد التوافقات الإقليمية، وافتقار المجتمع الدولي إلى أدوات إلزام فعالة لفرض تسوية شاملة.
-
السيناريو الثالث: الانهيار الأمني والعودة إلى النزاع المسلح (غير مرجح)
يفترض هذا السيناريو فشل كافة المسارات السياسية، وانزلاق الأوضاع نحو تصعيد عسكري واسع النطاق، قد يرتبط بصراعات على النفوذ في الجنوب، أو تنافس على السيطرة على عوائد النفط، أو تفجر نزاعات كامنة بين الفصائل المسلحة.
وتتمثل أبرز مؤشرات هذا السيناريو في احتمالية اندلاع مواجهات كبرى في العاصمة طرابلس أو في مناطق الهلال النفطي، بالتوازي مع تراجع أو انسحاب الانخراط الدولي في جهود الوساطة، وحدوث انهيار في المنظومة المالية والمصرفية، ويترتب على ذلك تداعيات خطيرة، تشمل عودة التدخلات العسكرية الخارجية المباشرة، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتهديدًا جديًا لوحدة الأراضي الليبية.
ويظل هذا السيناريو محدود الاحتمال في المدى القريب، نظرًا لإدراك الأطراف المحلية والإقليمية لارتفاع كلفة الانزلاق إلى حرب شاملة، إضافة إلى وجود توازن ردع نسبي، ورغبة دولية في احتواء الصراع ومنع توسعه.
سادساً- مسارات التحرك
في ظل الانقسام السياسي المستمر والأزمات المؤسسية والأمنية التي تعيق إجراء الانتخابات في ليبيا، تظهر الحاجة إلى مسارات واضحة للتحرك تُعزز فرص التوافق الداخلي وتحد من المخاطر الأمنية والسياسية.
-
توحيد المرجعية القضائية فوراً: دعم “لجنة الوساطة المستقلة” المكونة من الخبراء القانونيين الليبيين لإنهاء النزاع حول المحكمة الدستورية، حيث لا يمكن إجراء انتخابات دون حكم قضائي موحد ومحل إجماع.
-
تفعيل مسار “التكامل الاقتصادي” كأولوية: البدء في اعتماد ميزانية وطنية موحدة وتوحيد إدارة السياسة النقدية مما يقلل من حوافز الفاعلين السياسيين في استمرار الانقسام.
-
إصلاح المؤسسة الانتخابية: تجاوز الخلاف حول مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات من خلال توافق تقني ترعاه الأمم المتحدة، لضمان جاهزية المفوضية لوجستياً وفنياً في حال نضوج الاتفاق السياسي.
-
تعزيز الترتيبات الأمنية المشتركة: البناء على تدريبات سرت (أبريل 2026) لتشكيل قوة أمنية مشتركة لتأمين مراكز الاقتراع، وتفكيك الارتباط بين المال السياسي والمجموعات المسلحة.
-
إدماج أنصار النظام السابق: بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي، يجب الحرص على عدم إقصاء هذه الكتلة الشعبية من مسار المصالحة الوطنية والعملية السياسية لتجنب تحولهم إلى مصدر لعدم الاستقرار المستدام.
No Result
View All Result