وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في نوفمبر 2025، أمرًا تنفيذيًا يوجه بالبدء في تصنيف بعض فروع تنظيم جماعة الإخوان كمنظمات إرهابية أجنبية وكيانات إرهابية عالمية، وشمل التوجيه فروع الجماعة في كل من مصر ولبنان والأردن على وجه الخصوص، لتورطها في دعم أنشطة تُزعزع الاستقرار ضد المصالح الأمريكية وحلفائها، وقد اعتُبر هذا التحول تغييرًا جوهريًا في السياسة الأمريكية تجاه تنظيم الإخوان، لا سيما أن إدارات أمريكية سابقة ترددت في اتخاذ خطوة مماثلة، وجاء القرار في سياق دولي متوتر أعقب حرب غزة 2023 وتصاعد الاستقطاب بشأن الإسلام السياسي؛ إذ رآه البعض استجابةً لضغوط جماعات اليمين المحافظ ولوبيات مؤيدة لإسرائيل في واشنطن، الساعية إلى كبح تنامي النفوذ السياسي للجاليات العربية والإسلامية عقب تلك الأحداث.
ولهذا التحول الأمريكي تأثيرات على الأمن القومي المصري؛ إذ عانت مصر، خلال العقد الذي أعقب ثورة 30 يونيو 2013، من موجة عنف وإرهاب ارتبطت بتنظيمات خرجت من عباءة جماعة الإخوان، راح ضحيتها المئات من الأبرياء، فضلًا عن استهداف مصالح مصر في الخارج عبر التنظيم الدولي للجماعة، مثل محاولات حصار السفارات المصرية والتحريض على الرأي العام العالمي من خلال ادعاءات كاذبة، كاتهام مصر بإغلاق معبر رفح، وذلك انتقامًا من الدولة المصرية التي حاصرت نشاط التنظيم داخل البلاد.
أولاً: السياق والتحركات وردود الأفعال الغربية
لم يكن التحول في الموقف الأمريكي وليد اللحظة، بل سبقه حراك متصاعد داخل الولايات المتحدة ضد جماعة الإخوان المسلمين خلال عامي 2024 و2025. فعلى مستوى الولايات، أصدر حاكم ولاية تكساس الجمهوري قرارًا اعتبر فيه تنظيم الإخوان المسلمين ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير – CAIR) منظمتين إرهابيتين أجنبيتين وجماعات إجرامية عابرة للحدود، وأثار ذلك القرار جدلًا واسعًا ومعارضة من منظمات الحقوق المدنية؛ إذ رفعت «كير» دعوى قضائية ضد حاكم تكساس، معتبرةً أن التصنيف غير دستوري ويقوض الحريات.
وعلى المستوى الفيدرالي، تواصلت الضغوط من بعض أعضاء الكونجرس – لا سيما الجمهوريين المحافظين، مدعومين ببعض الديمقراطيين – لدفع الإدارة نحو تبني قانون يصنف جماعة الإخوان منظمة إرهابية، وهو ما تُرجم في تمرير لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب مشروع قانون للتصنيف أواخر نوفمبر 2025، وتجدر الإشارة إلى أن مساعي سابقة جرت في عامي 2015 و2017 لتصنيف الجماعة باءت بالفشل آنذاك، وهو ما يعكس تغيرًا في البيئة السياسية والأمنية بحلول عام 2025 جعل تمرير مثل هذا القرار أكثر قبولًا، ويرتبط هذا التحول جزئيًا إلى تنامي نشاط اللوبي الإسلامي العربي المؤيد لفلسطين داخل الولايات المتحدة بعد حرب غزة 2023، واستقطابه قطاعًا من الرأي العام والطلاب والأكاديميين، على نحو أقلق اللوبيات الموالية لإسرائيل، التي اعتبرت تصنيف الإخوان وسيلة لتقويض هذا التأثير.
في المقابل، أثار قرار ترامب تحفظات داخلية أمريكية تتعلق بالقيم الديمقراطية، فقد حذرت منظمات حقوقية، كاتحاد الحريات المدنية الأمريكي (ACLU) ونظيراتها، من أن وصم جماعة إسلامية غير مرتبطة رسميًا بأعمال عنف داخل الولايات المتحدة قد يشكل سابقة خطيرة تهدد حرية التنظيم والتعبير الديني، وتفتح الباب أمام استهداف جماعات مدنية مسلمة تحت ذريعة محاربة الإرهاب.
وعلى المستوى الأوروبي، تُعد أوروبا ساحة نشاط تاريخية لجماعة الإخوان وشبكاتها، إذ تتمتع الجماعة بحضور مؤسسي في العديد من الدول الأوروبية، وهو ما يفسر الحذر البالغ الذي قوبلت به الخطوة الأمريكية. فبريطانيا، على سبيل المثال، كانت ولا تزال إحدى أبرز حواضن الإخوان في الغرب؛ حيث استقر على أراضيها المكتب الدولي للإرشاد لفترات طويلة، وتأسست فيها عشرات الكيانات المرتبطة بالجماعة (مراكز إسلامية، جمعيات خيرية، مساجد)، يتمتع بعضها بوضع قانوني رسمي. ويضم المجلس الإسلامي البريطاني (Muslim Council of Britain) تحت مظلته أكثر من 500 مؤسسة ومسجد وهيئة إسلامية في المملكة المتحدة، كما أن منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية – التي أسسها ناشطون مقربون فكريًا من الإخوان – تمتلك فروعًا ومكاتب في أكثر من 40 دولة حول العالم، وتُظهر هذه التشعبات مدى تعقيد أي تحرك يهدف إلى اجتثاث تنظيم الإخوان في أوروبا.
ومن هذا المنطلق، يُرجح أن تتعامل العواصم الأوروبية مع القرار الأمريكي بانتقائية تراعي مصالحها الوطنية. فبريطانيا، على سبيل المثال، قد تُراجع أنشطة بعض الجمعيات أو الأفراد المرتبطين بالإخوان وتفرض قيودًا عليهم إذا تبين تهديدهم لأمنها، لكنها على الأرجح لن تحظر التنظيم بالكامل طالما أن بعض مؤسساته تتكيف مع القوانين البريطانية وتقدم خدمات للجاليات بما لا يتعارض مع المصالح البريطانية. وتنسحب هذه المقاربة على دول أوروبية أخرى، مثل فرنسا وألمانيا والنمسا وبلجيكا وهولندا، حيث ينتشر الإخوان عبر مجالس إسلامية ومدارس ومراكز دعوية، ما قد يجعل التوجه الأوروبي أقرب إلى ضبط نشاط الجماعة وحصره بدلًا من استئصاله. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن الخطاب الأمني الأوروبي تجاه الإخوان بات أكثر تشددًا في السنوات الأخيرة؛ إذ حذرت تقارير رسمية، مثل تقرير البرلمان الفرنسي عام 2020، من تهديد محتمل للجماعة داخل أوروبا عبر نشر أفكار التطرف وتقويض استقرار المجتمعات، كما أن صعود التيارات اليمينية الشعبوية في أوروبا ولد تقاربًا مع نظيرتها الأمريكية في تبني خط أكثر صرامة حيال الحركات الإسلامية، وخلاصة الأمر أن أوروبا وجدت نفسها أمام معادلة موازنة بين اعتبارات الأمن ومحاربة التطرف من جهة، والحفاظ على نموذجها الليبرالي القائم على حرية التنظيم الديني من جهة أخرى.
ثانياً: الأبعاد الاستراتيجية وانعكاسات القرار
على ضوء المعطيات السابقة، تبرز جملة من الدلالات والاستحقاقات الاستراتيجية المترتبة على القرار الأمريكي بتصنيف الإخوان تنظيمًا إرهابيًا، وذلك على الصعيدين الداخلي (الأمريكي) والخارجي (الدولي والإقليمي):
-
على المستوى الأمريكي: سيؤدي تنفيذ القرار إلى فرض قيود قانونية صارمة على الكيانات والأفراد المرتبطين بجماعة الإخوان، بما يشمل تجريم أي دعم مالي أو لوجستي، وتجميد الأصول، وحظر التحويلات المالية، فضلًا عن فرض قيود على السفر والترحيل المحتمل لبعض المقيمين، وقد تمتد هذه الإجراءات إلى تشديد الرقابة أو إغلاق بعض المراكز والمساجد في حال ثبوت ارتباطها بالتنظيم، ومن المرجح أن تفضي هذه التطورات إلى حالة من التوتر داخل الجالية المسلمة الأمريكية، في ظل مخاوف من استغلال القرار لاستهداف منظمات إسلامية أوسع نطاقًا، وهو ما حذرت منه قيادات إسلامية وحقوقية خشية التعميم ووصم العمل الإسلامي المدني.
-
على المستوى الأوروبي: يرفع القرار الأمريكي مستوى الضغوط على الحكومات الأوروبية لاتخاذ خطوات مكملة، وإن بشكل انتقائي، مثل تشديد الرقابة المالية على الجمعيات الخيرية أو حل بعض الكيانات المرتبطة بالإخوان إذا ثبت تورطها في نشر التطرف. ومع ذلك، ستظل قدرة أوروبا على اجتثاث التنظيم محدودة، نظرًا لعمق تغلغله الاجتماعي والمؤسسي، وهو ما يرجح اتباع نهج يقوم على الاحتواء والتضييق الجزئي بدلًا من الحظر الشامل. وعليه، من المتوقع أن يؤدي القرار إلى تحجيم نشاط بعض الفروع الأكثر خطورة، دون القضاء على الفكرة أو الشبكات بالكامل، مع احتمال لجوء الجماعة إلى مزيد من التخفي والعمل عبر واجهات تنظيمية جديدة.
-
المعارضة القانونية والحقوقية: أثار تصنيف جماعة الإخوان جدلًا واسعًا بشأن مدى اتساقه مع القوانين الأمريكية والدولية؛ إذ حذرت منظمات حقوقية من إمكانية توظيفه سياسيًا بما يهدد الحريات العامة، كما يُتوقع تصاعد الطعون القضائية ضد القرار، سواء من الجماعة نفسها أو من أفراد متضررين يحملون جنسيات غربية، بدعوى انتهاك حرية التنظيم والتعبير، وقد تتحول هذه المعركة القانونية إلى ساحة ضغط إعلامي وسياسي تُستخدم لتصوير القرار باعتباره استهدافًا للإسلام السياسي المعتدل.
-
استراتيجية جماعة الإخوان: من المرجح أن يتعامل التنظيم مع القرار ببراجماتية، عبر الالتفاف القانوني والسياسي بدلًا من المواجهة المباشرة؛ إذ سارعت إلى نفي وجود تنظيم دولي موحد، والتأكيد على تاريخها في العمل السياسي السلمي، وعلى تعاونها السابق مع الولايات المتحدة، كما يُتوقع أن تعتمد على شبكات ضغط غير رسمية في الغرب، وأن تعيد تموضع خطابها لتقليل كلفة التصنيف. وفي الوقت نفسه، قد تسعى الجماعة إلى تنسيق ردود فعل فروعها إقليميًا ودوليًا، وربما التلويح بأن تهميشها سيؤدي إلى تقوية التيارات الجهادية الأكثر تطرفًا، ويعني ذلك أن مصر وحلفاءها قد يواجهون تحركًا مضادًا منظمًا من شبكات الإخوان في الخارج، ردًا على الدور المصري في الدفع نحو تصنيف الجماعة.
ثالثاً: التأثيرات المحتملة على الأمن القومي المصري
يحمل التحول الأمريكي الأخير أبعادًا متداخلة بالنسبة للأمن القومي المصري؛ فمن ناحية، ينسجم القرار مع الموقف المصري الساعي إلى حصار تنظيم الإخوان إقليميًا ودوليًا وتجفيف منابع دعمه، إلا أنه، من ناحية أخرى، قد يدفع الجماعة إلى إعادة تموضع تكتيكي يفرز تحديات جديدة أمام الدولة المصرية، وفيما يلي أبرز التأثيرات المحتملة:
-
تصاعد الاستهداف الإعلامي والسياسي ضد مصر: من المرجح أن تكثف جماعة الإخوان، عبر شبكاتها في أوروبا والولايات المتحدة، حملات الضغط السياسي والإعلامي ضد مصر، مستغلة هوامش العمل المتاحة في الغرب، وقد يشمل ذلك تصعيد الخطاب الحقوقي، ومحاولة التأثير على دوائر صنع القرار الغربية لدفعها نحو مواقف أكثر تشددًا تجاه الدولة المصرية، بما في ذلك ربط المساعدات أو إصدار إدانات سياسية.
-
الاندفاع نحو العمل السياسي الشرعي في الخارج: قد يتجه التنظيم إلى تكثيف حضوره السياسي العلني في دول المهجر، عبر الانخراط في الأحزاب والمؤسسات الغربية، بهدف تجاوز وصمة الإرهاب وبناء نفوذ قانوني داخل المنظومات السياسية الغربية، ويمثل هذا المسار تحديًا لمصر، في ظل احتمال بروز فاعلين محسوبين على جماعة الإخوان من الجيلين الثاني والثالث داخل دوائر التأثير الغربي، بما يستوجب رصدًا دقيقًا وتحركًا استباقيًا لبناء علاقات موازية وتقديم الرواية المصرية المضادة.
-
الالتفاف على القيود المالية: سيحفز التصنيف الأمريكي محاولات للالتفاف على القيود المالية المفروضة، سواء عبر إنشاء كيانات اقتصادية وتجارية بديلة في آسيا وإفريقيا، أو من خلال استخدام قنوات غير رسمية، مثل السوق السوداء والعملات المشفرة، وقد يؤدي ذلك إلى تسريب موارد مالية من البيئة الاقتصادية المصرية لصالح شبكات معادية.
-
احتمالية تغير أنماط العنف: على الرغم من ادعاء الجماعة نبذ العنف، لا يُستبعد أن يدفع الضغط المتزايد بعض الأجنحة أو المجموعات المنفلتة إلى تبني خيارات أكثر تطرفًا، كما حدث في مراحل سابقة، ويكمن الخطر في استغلال أي تصعيد محتمل، ولو من مجموعات منشقة أو عناصر منفلتة، لترويج سرديات تُحمّل مواجهة الدولة لجماعة الإخوان مسؤولية عودة الإرهاب والعنف، بما يُستخدم لاحقًا كأداة ضغط سياسي وإعلامي على مصر.
رابعاً: التوصيات المقترحة
انطلاقًا من الحرص على تعظيم المكاسب المصرية من التحول الأمريكي وضمان عدم تحول التحديات المحتملة إلى تهديدات فعلية، تبرز مجموعة من التوصيات الاستراتيجية لصانع القرار المصري للتعامل مع الموقف:
-
تعزيز الإنذار المبكر ورصد التهديدات: إنشاء منظومة وطنية متكاملة لرصد وتحليل تحركات التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم الإخوان، عبر مراكز رصد مشتركة تجمع الأجهزة المعنية وخبراء البحث، بما يتيح إنذارًا مبكرًا لأي مخططات إرهابية أو حملات تعبئة معادية تستهدف الدولة أو مصالحها في الخارج، وإحباطها استباقيًا بالتعاون مع الشركاء.
-
توظيف القوة الناعمة لمواجهة الأيديولوجيا المتطرفة: توسيع استخدام الإعلام والدراما كأدوات مواجهة غير أمنية، عبر دعم محتوى مهني يفضح الخطاب المزدوج والشبكات المرتبطة بالإخوان عالميًا، وتقديم سردية مضادة جاذبة للشباب، إلى جانب مبادرات فنية وثقافية تُعزز قيم التسامح والوطنية وتحد من جاذبية الخطاب التحريضي.
-
إحكام الإطار القانوني وتطوير المعرفة المؤسسية بالنشاط الخارجي: تحديث قوائم الكيانات والأفراد المطلوبين، وتفعيل القنوات الدبلوماسية لتعميمها دوليًا بما يسهل تقييد الحركة والملاحقة. بالتوازي، تكليف مراكز الأبحاث بإنتاج دراسات موثقة ومتوازنة عن أنماط نشاط الشبكات المرتبطة بالإخوان في الغرب، بما يساعد صناع القرار هناك على التمييز بين النشاط الديني المشروع والعمل التنظيمي المُسيس.
-
تعميق التعاون الاستخباراتي وتنسيق الاستجابة الإعلامية والدبلوماسية: استثمار المناخ الدولي الحالي لتعزيز تبادل المعلومات حول التمويل والتحركات العابرة للحدود، مع الدفع نحو آليات مشتركة أو فرق عمل متخصصة، كذلك رفع جاهزية الاستجابة الدبلوماسية والإعلامية الاستباقية لمواجهة حملات التشويه قبل ترسخها، عبر سردية مدعومة بالوثائق والأدلة.
ختامًا،
يوفر التحول في الموقف الأمريكي نافذة مهمة لمصر لتعزيز جبهتها في مواجهة تنظيم الإخوان، الذي شكل تهديدًا مستمرًا لأمنها القومي، غير أن تحويل هذه الفرصة إلى مكاسب استراتيجية مستدامة يتطلب رؤية شاملة تدمج بين التحركات الأمنية والدبلوماسية والفكرية، داخليًا وخارجيًا. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في قرارات تصنيف تصدر هنا أو هناك، وإنما في القدرة على تفكيك الفكر المتطرف وتجفيف بيئته الحاضنة، بالتوازي مع تقديم نموذج بديل يحظى بثقة المجتمعات ويعزز استقرار الدول.
وفي هذا السياق، تقف مصر اليوم، مستندة إلى تحالفاتها الإقليمية والدولية، أمام اختبار مهم لتكريس دورها بوصفها ركيزة للاستقرار في المنطقة، وقادرة على حشد المجتمع الدولي في مواجهة الإرهاب بمختلف صوره، وفي الوقت ذاته البناء على ذلك لترسيخ نموذجها التنموي والسياسي الذي يرفض خلط الدين بالسياسة على نحو يهدد كيان الدولة الوطنية الحديثة، وإذا ما نجحت مصر في هذا المسار، فلن تكون قد حصنت أمنها القومي ضد أحد أخطر التهديدات فحسب، بل ستسهم أيضًا في بلورة مسار إقليمي ودولي أكثر وعيًا بخطورة تسييس الدين وضرورة مواجهته بصورة جماعية وحاسمة.
No Result
View All Result