تشهد الساحة الإفريقية في الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة التفاعلات الدولية حول قضايا الأمن والاستقرار، وفي هذا السياق برزت نيجيريا كإحدى بؤر الاهتمام الدولي بعد تهديدات أمريكية بالتدخل العسكري بذريعة حماية الأقليات الدينية، ولا سيما المسيحيين. ويأتي هذا التصعيد في ظل تعقيدات داخلية تعاني منها نيجيريا منذ سنوات، تتمثل في انتشار الجماعات الإرهابية، وتفاقم الصراعات المجتمعية، وضعف قدرة الدولة على بسط سيطرتها الأمنية الكاملة، بما جعل الوضع الداخلي قابلًا للتدويل والاستغلال السياسي.
انطلاقًا من ذلك، يسعى هذا التقدير إلى تحليل دوافع التهديد الأمريكي بالتدخل العسكري في نيجيريا، واستشراف تداعياته المحتملة على المستويات النيجيرية والإقليمية، مع التركيز على انعكاساته على الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية المصرية، وصولًا إلى عرض السيناريوهات المتوقعة والإجراءات المقترحة للتعامل مع هذا التطور.
أولًا: الخلفيات السياسية والأمنية للتصعيد الأمريكي تجاه نيجيريا
يأتي التهديد الأمريكي بالتدخل العسكري في نيجيريا في سياق تصعيد سياسي وإعلامي قادته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خلفية اتهامات متكررة للحكومة النيجيرية بالتقاعس عن حماية المواطنين المسيحيين من أعمال العنف، وقد توج هذا التصعيد بإعادة إدراج نيجيريا على قائمة «الدول المثيرة للقلق بشكل خاص» في ملف الحريات الدينية، وهو إجراء سبق اتخاذه عام 2020، إلا أنه هذه المرة اقترن بتهديدات مباشرة بتعليق المساعدات الأمريكية، والتلويح باستخدام القوة العسكرية.
وتستند الرواية الأمريكية إلى عدد من حوادث العنف التي شهدها عام 2025، جرى توظيفها إعلاميًا باعتبارها جزءًا من حملة اضطهاد ممنهجة ضد المسيحيين، رغم نفي الحكومة النيجيرية وجود أي سياسة رسمية أو تمييز مؤسسي قائم على أساس ديني، وتؤكد أبوجا أن الجماعات المسلحة، وعلى رأسها جماعة «بوكو حرام» وتنظيم «الدولة الإسلامية في ولاية غرب إفريقيا»، تستهدف المدنيين على اختلاف دياناتهم، في إطار صراع أمني مركب يتجاوز البعد الطائفي والديني.
ويُقدر عدد سكان نيجيريا في عام 2025 بنحو 237.5 مليون نسمة، وتُعد المسيحية والإسلام الديانتين الرئيسيتين في البلاد، ومنذ العودة إلى الحكم الديمقراطي عام 1999، شهدت نيجيريا تصاعدًا ملحوظًا في حوادث العنف ذات الطابع الديني، في ظل توترات مزمنة بين الجماعتين الدينيتين المهيمنتين، اتسمت بثقافة من الشك المتبادل والتنافس غير الصحي. ومع مرور الوقت، استغلت جماعات متطرفة هذه التوترات المجتمعية، مدعية تمثيل «الدولة الإسلامية»، لتبرير ممارساتها العنيفة، رغم أن سلوكها العملي يؤكد استهدافها لجميع المواطنين دون تمييز.
وتُعد جماعة «بوكو حرام» الفاعل الرئيسي في مشهد العنف المسلح في نيجيريا، إذ تسعى إلى إقامة دولة إسلامية بالقوة، بينما برز تنظيم «الدولة الإسلامية في ولاية غرب إفريقيا» منذ انشقاقه عنها عام 2016 كفاعل رئيسي آخر، يركز في هجماته على القوات الحكومية والمنشآت الأمنية، مع استمرار استهدافه للمدنيين ودور العبادة، خاصة في الولايات الشمالية. وإلى جانب ذلك، برز خلال السنوات الأخيرة مسلحو الرعاة من عرقية الفولاني كتهديد متزايد، لا سيما في منطقة «الحزام الأوسط»، حيث تداخلت النزاعات على الأراضي ومصادر المياه مع الأبعاد الدينية، ما أدى إلى تصاعد العنف ضد المجتمعات الزراعية، التي يغلب عليها الطابع المسيحي.
ومع ذلك، فإن اختزال ما يحدث في نيجيريا باعتباره صراعًا دينيًا بين «رعاة مسلمين ومزارعين مسيحيين» يُعد تفسيرًا سطحيًا يتجاهل جذور الأزمة الحقيقية، إذ يرتبط العنف في جوهره بضعف مؤسسات الدولة، وغياب العدالة، وتآكل الثقة بين المكونات المجتمعية، ففي ظل غياب مؤسسات عدالة مستقلة وفعّالة، يتحول العنف إلى أداة بديلة للحصول على الحقوق أو الدفاع عنها.
ويعتمد ترامب في تهديده الأخير على عدد من العمليات التي استهدفت مسيحيين خلال عام 2025، من بينها هجوم «بلاتو» في 14 أبريل، والذي أسفر عن مقتل 51 شخصًا، إضافة إلى حادثة اختطاف طلاب من مدرسة كاثوليكية في يونيو، فضلًا عن الهجمات التي استهدفت كنائس خلال شهر أكتوبر، وقد جرى توظيف هذه الأحداث في الخطاب الأمريكي لتبرير التصعيد، دون النظر إلى السياق الأمني والاجتماعي الأشمل لطبيعة العنف في نيجيريا.
ثانيًا: الخلفيات والدوافع وراء تهديد الولايات المتحدة بالتدخل العسكري في نيجيريا
تعكس التهديدات الأمريكية بالتدخل العسكري في نيجيريا حزمة من الدوافع المتداخلة، تتجاوز الخطاب المعلن المتعلق بحماية الحريات الدينية، لتشمل اعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية ودولية أوسع، ترتبط بإعادة تموضع النفوذ الأمريكي في القارة الإفريقية، وبالتحولات الجارية في سياسة نيجيريا الخارجية.
1- الدوافع السياسية: يبدو أن تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متأثر، على المستوى الظاهري، بتقارير وضغوط جماعات الضغط المسيحية في واشنطن، ولا سيما التيارات اليمينية، التي كثفت حملاتها خلال عام 2025 لتسليط الضوء على أوضاع المسيحيين في نيجيريا، ويُحتمل أن يسعى ترامب من خلال هذا الخطاب إلى تعزيز دعم اليمين الإنجيلي، الذي يُعد من أكثر الكتل الانتخابية انضباطًا وتأثيرًا داخل الحزب الجمهوري، خاصة في ظل الاستقطاب السياسي الداخلي.
وفي سياق أوسع، يمكن تفسير التهديد الأمريكي بوصفه رسالة سياسية عقابية غير مباشرة لنيجيريا، عقب انضمامها كشريك إلى مجموعة «البريكس» في يناير 2025، وهو ما يُنظر إليه في واشنطن باعتباره خروجًا عن دائرة النفوذ الأمريكي التقليدي، كما لا يُستبعد أن يكون التصعيد الأمريكي مرتبطًا بالمواقف النيجيرية الأخيرة في المحافل الدولية، ولا سيما توصيفها للعمليات الإسرائيلية في غزة بأنها «إبادة جماعية»، في تعارض واضح مع الموقف الأمريكي.
2- الدوافع الأمنية: من الناحية الأمنية، تُبدي الولايات المتحدة اهتمامًا متزايدًا بتوسيع دورها في مكافحة الإرهاب في غرب إفريقيا، في ظل تنامي نشاط الجماعات المتطرفة وتراجع الوجود الأمريكي في بعض دول الساحل، وعلى الرغم من ترحيب الرئيس النيجيري بالمساعدات العسكرية الأمريكية، فإن ذلك مشروط باحترام سيادة الدولة النيجيرية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ويُنظر إلى التهديد بالتدخل العسكري، في هذا الإطار، كأداة ضغط لفرض نمط تعاون أمني أوسع، قد يشمل تعزيز الوجود العسكري الأمريكي أو توسيع نطاق القواعد والعمليات على السواحل الإفريقية، الأمر الذي يثير مخاوف تتعلق بالأمن الإقليمي، ويؤثر سلبًا على توازنات القوى في غرب إفريقيا، فضلًا عن تداعياته المحتملة على العلاقات المصرية–النيجيرية.
3- الدوافع الاقتصادية: تحتل نيجيريا موقعًا محوريًا في الحسابات الاقتصادية الأمريكية، نظرًا لما تمتلكه من احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، إلى جانب ثروات معدنية استراتيجية، وعلى رأسها الليثيوم، الذي يُعد عنصرًا حيويًا للصناعات الأمريكية المتقدمة، خاصة في مجالات السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة.
وتعتمد الولايات المتحدة بدرجة كبيرة على واردات الليثيوم، ما يجعل تأمين مصادره وتنويع سلاسل توريده مسألة استراتيجية. وفي هذا السياق، يُحتمل أن تسعى واشنطن إلى تعزيز نفوذها في قطاعي الطاقة والتعدين في نيجيريا، بما يضمن مصالحها الاقتصادية في ظل تزايد الطلب العالمي والمخاوف المرتبطة بأمن سلاسل الإمداد.
4- الدوافع المرتبطة بالسياسة الدولية: يرتبط التصعيد الأمريكي كذلك بخلافات متراكمة مع نيجيريا حول عدد من القضايا الثنائية، من بينها رفض أبوجا المتكرر لطلبات واشنطن بقبول المهاجرين والسجناء المُرحلين، وفرضها قيودًا على التأشيرات ورسومًا جمركية اعتبرتها الولايات المتحدة غير مواتية.
وفي المقابل، تتجه نيجيريا نحو تنويع شراكاتها الدولية، عبر تعزيز التعاون الزراعي والعسكري والاقتصادي مع روسيا، والتعاون التكنولوجي والنفطي مع البرازيل، وتطوير البنية التحتية بالتعاون مع الصين والهند، في ظل تراجع القدرات الداخلية في هذا القطاع، ويعكس هذا التوجه تحولًا استراتيجيًا في السياسة الخارجية النيجيرية، يبتعد تدريجيًا عن النفوذ الأمريكي، ويقترب من محور «البريكس»، وهو ما يدفع واشنطن إلى استخدام أدوات الضغط السياسي والعسكري للحفاظ على موقعها ونفوذها في نيجيريا وغرب إفريقيا.
ثالثًا: التداعيات الإقليمية والدولية لتهديد الولايات المتحدة بالتدخل العسكري في نيجيريا
يفتح التهديد الأمريكي بالتدخل العسكري في نيجيريا المجال أمام جملة من التداعيات المعقدة التي لا تقتصر على الساحة النيجيرية فحسب، بل تمتد لتشمل الأمن الإقليمي في غرب إفريقيا، وانعكاساته على توازنات النفوذ الدولي داخل القارة، فضلًا عن تأثيراته المباشرة وغير المباشرة على المصالح المصرية في إفريقيا، ففي ظل هشاشة الأوضاع الأمنية وتداخل العوامل السياسية والاقتصادية والدينية، قد يؤدي أي تدخل عسكري خارجي إلى إعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي في نيجيريا، بما يحمله ذلك من فرص ومخاطر في آن واحد. ومن ثم، تكتسب دراسة هذه التداعيات أهمية خاصة لفهم أبعاد الأزمة وتقدير آثارها المحتملة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
1- التداعيات على الأمن الإقليمي:
من شأن أي وجود عسكري أمريكي في نيجيريا أن يعزز نفوذ واشنطن في غرب إفريقيا، لا سيما على السواحل المطلة على خليج غينيا، وهو ما قد يفرض ضغوطًا إضافية على دول الجوار ويؤثر في طبيعة علاقاتها مع أبوجا، كما قد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل توازنات القوى الإقليمية، بما ينعكس سلبًا على مسارات التعاون الإفريقي المشترك. كذلك، قد يُسهم التوسع العسكري الأمريكي في توتير علاقات نيجيريا مع شركائها الدوليين الآخرين، وعلى رأسهم الصين وروسيا، بما يحد من هامش المناورة الدبلوماسية النيجيرية، ويحول البلاد إلى ساحة تنافس جيوسياسي بين القوى الكبرى، مع ما يحمله ذلك من مخاطر أمنية وعدم استقرار طويل الأمد في الإقليم.
2- التداعيات على نيجيريا:
أثار التهديد الأمريكي بالتدخل العسكري حالة من التوتر والقلق لدى السلطات النيجيرية، التي تدرك حجم التحديات الأمنية التي تواجهها نتيجة تصاعد أنشطة الجماعات الإرهابية، وما يتعرض له المواطنون من أعمال عنف واضطهاد، ويعود ذلك جزئيًا إلى إخفاقات متراكمة للحكومة النيجيرية على مدار سنوات في بسط سيطرة أمنية كاملة على بعض الأقاليم، رغم الجهود المستمرة لاحتواء التهديدات في الشمال الغربي والشمال الشرقي، وفي منطقة «الحزام الأوسط»، ما تزال الدولة تواجه صعوبة في احتواء العنف المسلح، سواء المرتبط بالجماعات المتطرفة أو بالصراعات المجتمعية.
ورغم هذه التحديات، ترى نيجيريا أن أي تدخل عسكري أمريكي مباشر يُعد مساسًا بسيادتها وتدخلًا في شؤونها الداخلية، وفي هذا الإطار أبدى الرئيس النيجيري ترحيبًا مشروطًا بتلقي دعم عسكري وفني من الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب، شريطة أن يقتصر ذلك على التعاون وبناء القدرات، دون وجود عسكري دائم أو تدخل مباشر في عملية صنع القرار الوطني.
3- التداعيات على الأمن القومي المصري:
قد ينعكس التدخل الأمريكي في نيجيريا سلبًا على العلاقات المصرية النيجيرية، خاصة في ظل الزخم الإيجابي الذي شهدته العلاقات الثنائية منذ عام 2014، عقب افتتاح السفارة المصرية في أبوجا عام 2013، والتي تُعد من أكبر البعثات الدبلوماسية المصرية في القارة الإفريقية، وقد شهدت العلاقات بين البلدين تطورًا ملحوظًا في مجالات التعاون الأمني والعسكري، لا سيما في مواجهة الإرهاب والتطرف، مع استعداد مصر لنقل خبراتها عبر برامج التدريب وبناء القدرات، والدعم الفكري والمؤسسي للمقاربة الشاملة في مكافحة التطرف.
كما يمتد التعاون المصري النيجيري إلى مجالات اقتصادية وتنموية حيوية، تشمل الزراعة والدواء والطاقة والإنشاءات وتكنولوجيا المعلومات، وهو ما جرى التأكيد عليه خلال اللقاء الأخير بين وزيري خارجية البلدين في 22 نوفمبر، وتمثل هذه المصالح المتنامية ارتباطًا وثيقًا لمصر بالاستقرار الداخلي في نيجيريا، الأمر الذي يجعل أي حضور عسكري أمريكي مكثف عامل ضغط محتمل، قد يُقيد حركة التعاون المصري، أو يعطل تنفيذ بعض المشروعات والاستثمارات المشتركة، فضلًا عن تأثيره غير المباشر على أدوار التنسيق الإقليمي التي تضطلع بها مصر، بما في ذلك الملفات المرتبطة بإعادة الإعمار والتسويات الإقليمية.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة
في ضوء المعطيات السياسية والأمنية الراهنة، وتداخل المصالح الدولية في نيجيريا، يمكن استشراف عدد من السيناريوهات المحتملة للتعامل الأمريكي مع الأزمة، تتباين في درجة التصعيد واحتمالات التحقق، على النحو التالي:
السيناريو الاول: عدم تدخل الولايات المتحدة عسكريًا بشكل مباشر (الأكثر ترجيحًا)
تنبع ترجيح هذا السيناريو من حرص الرئيس الأمريكي على تجنب الزج بالقوات الأمريكية في صراعات برية معقدة وغير محسومة، خاصة في بيئات جغرافية غير مألوفة للجيش الأمريكي، وفي ظل محدودية خبرته القتالية في السياق الإفريقي مقارنة بمسارح عمليات أخرى، كما أن ترامب لجأ في أكثر من مناسبة إلى استخدام التهديد العسكري كأداة ضغط سياسية دون تنفيذ فعلي، بهدف فرض شروطه أو حماية مصالحه.
وفي هذا الإطار، قد يظل التهديد العسكري ورقة ضغط على نيجيريا لدفعها إلى تشديد قبضتها الأمنية داخليًا، وتقديم تنازلات سياسية أو أمنية للولايات المتحدة، مع استمرار الخطاب التصعيدي لكسب تأييد اليمين الإنجيلي داخليًا، وقد يدفع هذا السيناريو نيجيريا إلى التصعيد الدبلوماسي أو الاستعانة بوساطة طرف ثالث، إقليمي أو دولي، لاحتواء الأزمة وإقناع واشنطن بالتراجع عن خياراتها العسكرية.
السيناريو الثاني: تدخل عسكري أمريكي عبر شن ضربات جوية (مرجح)
يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، إذ تسعى الولايات المتحدة من خلاله إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في نيجيريا، وتعزيز حضورها ونفوذها داخل القارة الإفريقية، دون الانزلاق إلى تدخل بري مباشر عالي الكلفة، وقد يتجسد هذا التدخل في تنفيذ ضربات جوية دقيقة ضد مواقع الجماعات الإرهابية، انطلاقًا من قواعد أمريكية في دول مجاورة مثل الكاميرون وغانا والسنغال، وهي قواعد مخصصة أصلًا لعمليات مكافحة الإرهاب في غرب إفريقيا.
ويرجح أن يتم هذا السيناريو في إطار تنسيق مسبق مع السلطات النيجيرية، بحيث يقدم بوصفه دعمًا عسكريًا محدودًا واستجابة لطلب نيجيري بالمساعدة، مع التزام أمريكي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة. وفي هذه الحالة، قد تقوم الأجهزة الأمنية النيجيرية بتزويد الجانب الأمريكي بالمعلومات الاستخباراتية اللازمة لتحديد أهداف الجماعات المسلحة، بما يقلل من الحساسية السيادية ويمنح التدخل غطاءً قانونيًا وسياسيًا.
السيناريو الثالث: تدخل روسي لدعم القوات النيجيرية في مكافحة الإرهاب (ضعيف)
يُعد هذا السيناريو الأقل احتمالًا، نظرًا لانشغال روسيا عسكريًا واقتصاديًا بالحرب الروسية–الأوكرانية، وما ترتب عليها من ضغوط داخلية وخارجية تحد من قدرتها على فتح جبهة جديدة قد تتقاطع فيها المصالح مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل وجود دوافع نظرية قد تدفع موسكو إلى تعزيز تعاونها العسكري مع نيجيريا، في ضوء اتفاقية التعاون العسكري الموقعة بين الجانبين عام 2017، وسعي روسيا المستمر لتوسيع نفوذها داخل القارة الإفريقية.
غير أن أي تدخل عسكري روسي مباشر في نيجيريا قد يحول البلاد إلى ساحة تنافس وصراع بين القوى الكبرى، ويفتح الباب أمام مواجهات غير مباشرة مع الولايات المتحدة، وهو ما يتجاوز قدرات نيجيريا على التحمل، ويهدد بتحويلها إلى بؤرة صراع دولي واسع النطاق، الأمر الذي يجعل هذا السيناريو مستبعدًا في المدى المنظور.
خامسًا: مسارات مقترحة لنيجيريا لمواجهة التهديدات الأمريكية وتعزيز الأمن الداخلي
- تعزيز الحوار الدبلوماسي: الانخراط في حوار مباشر مع الإدارة الأمريكية لتوضيح موقفها بشأن حماية جميع المواطنين ونفي أي تمييز رسمي، مع الاستعانة بالوساطات الإقليمية والدولية مثل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة لدعم موقفها، كما ينبغي إطلاق حملة إعلامية منظمة تبرز جهود الحكومة في مواجهة الجماعات المسلحة وتوضح الطبيعة المعقدة للعنف الأمني داخل البلاد.
- تقوية الأمن الداخلي: تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية والعسكرية لمواجهة الجماعات المسلحة بدقة وتقليل الأضرار المدنية، مع تعزيز التعاون الأمني مع دول الجوار لمراقبة الحدود ومنع انتقال المسلحين، كما يمكن إنشاء آليات حماية للمدنيين في المناطق الأكثر تضررًا، بمشاركة المجتمع المحلي لضمان فعالية الإجراءات.
- إدارة الأزمات والمجتمع المحلي: تفعيل خطط لإدارة الأزمات الطارئة تشمل توفير المأوى والغذاء والخدمات الطبية للنازحين والمتضررين، مع إشراك المجتمعات المحلية في مراقبة الوضع وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا، ما يعزز الثقة بين الحكومة والمواطنين ويحد من استغلال الأزمة من قبل الجماعات المسلحة.
- تعزيز التعاون الإقليمي والدولي: تطوير شراكات فعالة مع الاتحاد الإفريقي والدول المجاورة لتبادل المعلومات الاستخباراتية والخبرات الأمنية، مع تنسيق الجهود لمكافحة الإرهاب عبر الحدود، كما يمكن الاستفادة من الدعم الفني واللوجستي الدولي لتحسين قدرة نيجيريا على مواجهة التحديات الأمنية دون فقدان سيادتها.
- إدارة الموارد والمصالح الاقتصادية: على نيجيريا حماية مواردها الحيوية مثل النفط والليثيوم من أي استغلال خارجي، مع وضع خطط لإدارة الاستثمارات الأجنبية بما يحقق التنمية المحلية ويضمن استقرار سوق العمل، كما يمكن تعزيز الشفافية في العقود والمشاريع الاقتصادية لتقليل المخاطر المرتبطة بالضغوط الخارجية والتدخلات الأجنبية.
سادسًا: مسارات مقترحة لتعزيز الشراكة الأمنية بين مصر ونيجيريا
يبرز مسار تفعيل الاتفاقات الأمنية والعسكرية كأحد الأدوات الاستراتيجية الحيوية لتعزيز المصالح المصرية، ودعم الاستقرار في غرب إفريقيا، ويقوم هذا المسار على الانتقال من مرحلة التنسيق السياسي إلى التنفيذ العملي المنهجي للاتفاقات الموقعة بين البلدين، لا سيما في مجالات بناء القدرات العسكرية، والتدريب، وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب والتطرف، مستفيدًا من الخبرة المصرية المكتسبة في مواجهة التنظيمات المسلحة وتفكيك البنية الفكرية والإعلامية للتطرف، وفي هذا السياق يمكن القيام بعدة خطوات:
- برامج تدريب متقدمة للقوات المسلحة النيجيرية: تقديم برامج تدريب متقدمة للقوات المسلحة النيجيرية تشمل مكافحة الإرهاب، وتأمين المنشآت الحيوية ودور العبادة، وإدارة العمليات في بيئات معقدة متعددة الأبعاد، بالإضافة إلى حماية المدنيين في مناطق النزاع، مستفيدة من خبرتها المتراكمة في مواجهة التنظيمات المسلحة وتفكيك البنى الفكرية والإعلامية للتطرف.
- مشاركة مصر في بعثات حفظ السلام داخل نيجيريا أو في محيطها الإقليمي: مشاركة مصر في بعثات حفظ السلام داخل نيجيريا أو في محيطها الإقليمي، سواء عبر مظلة الاتحاد الإفريقي أو بالتنسيق مع الأمم المتحدة، بهدف تعزيز الحضور الاستراتيجي المصري في غرب إفريقيا وإبراز مصر كقوة إقليمية مسؤولة تعتمد مقاربة أمنية–تنموية متكاملة.
- تعزيز الثقة السياسية والتكامل الاستراتيجي بين القاهرة وأبوجا: يهدف هذا المسار إلى توسيع الثقة السياسية وتعميق التكامل الاستراتيجي بين القاهرة وأبوجا، بما يسهم في دعم التعاون الاقتصادي والاستثماري والتنمية، وتحصين نيجيريا من التحول إلى ساحة تنافس دولي مفتوح لقوى خارج القارة، بما يعزز الاستقرار الإقليمي ويضمن مصالح الأمن القومي المصري.
- التعاون في مكافحة الجريمة المنظمة والتهريب: تعزيز التعاون الاستخباراتي بين البلدين لمكافحة شبكات الاتجار بالمخدرات، الأسلحة، والبشر وتبادل المعلومات الأمنية بشكل دوري وإنشاء آليات مشتركة لمراقبة الحدود والمنافذ الحيوية.
- تطوير القدرات التقنية والاستخباراتية: من خلال دعم نيجيريا بالخبرات المصرية في مجال الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية وتقديم برامج تدريبية في جمع وتحليل البيانات الاستخباراتية لمواجهة التهديدات الأمنية المعقدة.





