اندلعت حرب جديدة في إيران في أعقاب الضربات الأمريكية – الإسرائيلية المنسقة التي استهدفتها فجر 28 فبراير 2026، وأسفرت عن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين، وقد أُطلق على هذه العملية من الجانب الأمريكي اسم “ملحمة الغضب” فيما حملت في الرواية الإسرائيلية اسم “زئير الأسد” التي اشتركت فيها نحو 200 طائرة إسرائيلية ضمن سرب سُمي بـ”سفر التكوين”، بهدف استهداف المراكز القيادية السياسية والعسكرية في إيران، فيما لم تتأخر طهران في الرد؛ إذ شنت موجة واسعة من الهجمات الانتقامية، شملت إطلاق مئات الصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل، واستهداف قواعد ومصالح أمريكية في العراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية والأردن، فضلًا عن تهديد الملاحة الدولية عبر استهداف ناقلات نفط في مضيق هرمز.
وأدى هذا التصعيد المتسارع إلى سقوط مئات القتلى من الجانبين، وإلحاق أضرار جسيمة ببنى تحتية ومنشآت حيوية، كما دفع المنطقة إلى حافة مواجهة إقليمية شاملة، مع احتمالات انخراط أطراف دولية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في ظل اختلال واضح في معادلات الردع التقليدية.
وجاء هذا الهجوم المباغت في أعقاب حرب مباشرة اندلعت في يونيو 2025 بين إسرائيل وإيران، واستمرت اثني عشر يومًا، قبل أن تنتهي بوقف إطلاق نار هش، وأعقبت تلك الحرب موجة احتجاجات شعبية داخل إيران، بالتوازي مع تفاقم الأزمات الاقتصادية وتعثر المفاوضات النووية، ما أسهم في إضعاف البيئة الداخلية للنظام وزيادة الضغوط عليه.
أولاً: المشهد العملياتي والتحول في قواعد الاشتباك
اتسم الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، على مدار العقود الأربعة الماضية، بطابع غير مباشر، عبر عمليات محدودة وحروب بالوكالة، مع تجنب استهداف رأس الهرم السياسي تفاديًا لتداعيات غير محسوبة، غير أن الهجوم الأخير شكل تحول جوهري في قواعد الاشتباك؛ إذ استهدف بصورة مباشرة المرشد الأعلى وعددًا من كبار القادة العسكريين والسياسيين خلال اجتماع مغلق في طهران، ما يشير الى انتقال المواجهة إلى مستوى غير مسبوق من الجرأة والمخاطرة الاستراتيجية.
وجاء الرد الإيراني سريعًا عبر عملية حملت اسم “الوعد الصادق 4″، استخدمت فيها طهران مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة لاستهداف القواعد الأمريكية في العراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية والأردن، إلى جانب ضرب أهداف في عمق إسرائيل، كما أعلن الحرس الثوري إغراق ناقلات نفط أمريكية في مضيق هرمز وتدمير ناقلات بريطانية، فضلًا عن شن هجمات على حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”، في محاولة واضحة لترميم صورة الردع التي تضررت، وطمأنة القواعد الشعبية والعسكرية بأن “مؤسسة النظام” قادرة على مواصلة العمل حتى في غياب رأسها، وقد أدى هذا الرد إلى توسيع نطاق المواجهة إقليميًا وأثار إدانات رسمية من السعودية والكويت والإمارات التي اعتبرت الهجمات اعتداء مباشر على سيادتها.
أما على مستوى الخسائر والتدمير، فقد أسفرت الغارات الأمريكية – الإسرائيلية عن مقتل عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، بينهم رئيس هيئة الأركان اللواء عبد الرحيم موسوي، وقائد الحرس الثوري اللواء محمد باكبور، ومستشار المرشد للشؤون السياسية علي شمخاني، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، إضافة إلى المرشد الإيراني نفسه، فضلًا عن سقوط أربعين شهيدًا في غارة استهدفت مدرسة، وتعرض منشآت عسكرية لأضرار متفاوتة، وفي المقابل، أدت الضربات الإيرانية إلى مقتل وإصابة عشرات الجنود الأمريكيين، وإحداث أضرار واسعة داخل إسرائيل وبعض القواعد الأمريكية، إلى جانب إغراق ناقلات نفط، فيما لا يزال عدد الضحايا في إيران مرشحًا للارتفاع في ظل استمرار الضربات المتبادلة، بما يعكس اتساع كلفة المواجهة وتزايد احتمالات انزلاقها إلى صراع أشمل.
ثانياً: دوافع الضربة الأمريكية – الإسرائيلية
- منع الاختراق النووي والوصول إلى العتبة: تستند الرواية الأمريكية – الإسرائيلية إلى تقديرات تفيد بأن إيران باتت على وشك بلوغ مرحلة “الاختراق النووي”، أي امتلاك القدرة على إنتاج مادة انشطارية تكفي لصنع سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز عدة أسابيع، وروجت إدارة ترامب لهذه المقاربة استنادًا إلى تقارير استخباراتية، وإلى رفض إيران القبول بشروط جديدة في المفاوضات تمحورت حول وقف التخصيب وتفكيك المنشآت النووية. وخلال جولة المفاوضات الأخيرة في جنيف، طالبت واشنطن بتفكيك منشآت نطنز وفوردو وأصفهان، وتسليم مخزون اليورانيوم المخصب، ومنع تخصيبه مستقبلًا، وهو ما رفضته طهران – حسب الرواية الأمريكية – الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى اعتبار أن الوقت يضيق وأن العمل العسكري بات الخيار المطروح لمنع إيران من تجاوز نقطة اللاعودة النووية.
- تقويض بنية النظام وإعادة تشكيله: تجاوزت أهداف الضربة البعد النووي لتشمل استهداف رأس النظام، في خطوة تشير إلى مسعى لزعزعة تماسك الجمهورية الإسلامية من الداخل، وتستند هذه المقاربة إلى تقدير مفاده أن اغتيال المرشد قد يفتح المجال أمام صراعات على السلطة داخل دوائر الحكم، بما قد يفضي إلى صعود قيادة أكثر براجماتية أو إلى إعادة تشكيل بنية النظام السياسي، كما حملت العملية رسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تعودا تكتفيان باستهداف القيادات الميدانية، بل باتتا مستعدتين لملاحقة أعلى مستوى قيادي بهدف دفع النظام إلى تغيير سلوكه، أو إحداث تحول جذري في بنيته.
- تقييد القدرات الصاروخية والبعيدة المدى: تُبدي الولايات المتحدة مخاوف متزايدة من تطوير إيران لصواريخ بعيدة المدى قادرة على بلوغ أوروبا، وربما الوصول إلى الأراضي الأمريكية، في ظل الدور المحوري الذي يؤديه البرنامج الصاروخي في استراتيجية الردع الإيرانية، ومن هذا المنطلق، شمل الهجوم استهداف مراكز تطوير الصواريخ ومنصات إطلاقها، إلى جانب اغتيال عدد من قادة البرنامج الصاروخي، ويتسق ذلك مع المساعي الإسرائيلية الرامية إلى تقليص تهديد الصواريخ الدقيقة التي تمثل خطر مباشر على العمق الإسرائيلي.
- استغلال لحظة الضعف الإقليمي وعودة ترامب: جاء الهجوم في سياق إقليمي اتسم بتراجع فاعلية بعض أذرع إيران، ولا سيما «حزب الله»، بالتزامن مع عودة الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض، وقدرت إسرائيل أن الظرف ملائم للانتقال من استهداف الأطراف إلى ضرب المركز الإيراني، في ظل توقعات بتوافر غطاء سياسي أمريكي داعم للعملية، كما حظيت الضربة بتأييد دوائر داخل واشنطن رأت فيها فرصة لتعزيز صورة الإدارة داخليًا، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وكسب دعم القوى واللوبيات المؤيدة لإسرائيل.
- اعتبارات سياسية داخلية في واشنطن وتل أبيب: لا يمكن فصل التصعيد عن السياقات السياسية الداخلية في كل من واشنطن وتل أبيب؛ إذ يُسهم التشدد تجاه إيران في تعزيز صورة ترمب كقائد حازم في ملفات الأمن القومي، بما ينعكس إيجابًا على موقعه الانتخابي، وفي إسرائيل يوفر التصعيد دعم سياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ويحول الأنظار جزئيًا عن أزماته القضائية والتجاذبات الداخلية، وفي المقابل قد يوظف النظام الإيراني اغتيال المرشد في تعبئة الرأي العام داخليًا، بما يعزز تماسك الجبهة الداخلية ويمنحه هامش أوسع لإدارة المرحلة الانتقالية.
ثالثاً: رسائل الهجوم والرد الإيراني
لا تقتصر أهمية الضربات المتبادلة على نتائجها العسكرية المباشرة، بل تكشف كذلك عن جملة من الدلالات الاستراتيجية المرتبطة بطبيعة الاختراقات الاستخباراتية، وآليات صنع القرار، وحدود الردع المتبادل، وهي دلالات قد تكون أكثر أهمية من الحدث ذاته في فهم مسار المرحلة المقبلة، ويمكن الإشارة إلى أبرز هذه الدلالات كالآتي:
- ثغرات بنيوية في المنظومة الأمنية الإيرانية: كشف نجاح الضربة في استهداف رأس النظام وعدد من كبار القادة العسكريين عن ثغرات بنيوية في منظومة الأمن والحماية الإيرانية، سواء على مستوى أمن الاتصالات أو إجراءات التحوط القيادي في أوقات الأزمات، ويعزز تكرار استهداف قيادات عليا خلال أقل من عام من المواجهة السابقة فرضية وجود اختراق استخباراتي عميق، أو قصور في تقدير حجم التهديد، بما يعيد طرح تساؤلات حول كفاءة منظومة الأمن المضاد داخل إيران.
- سرعة الاستجابة الإيرانية: تعكس سرعة الرد الإيراني من حيث حجم النيران وتعدد مساراتها مقارنة بالمواجهة السابقة في حرب الـ12 يومًا، وجود خطط معدة سلفًا للتعامل مع سيناريو فقدان القيادة العليا، بما يشير إلى تفويض مسبق للصلاحيات وتفعيل آليات الطوارئ داخل المؤسسة العسكرية، غير أن هذه السرعة ذاتها قد تُفسر أيضًا باعتبارها محاولة لإعادة ترميم الردع عبر استخدام مكثف للأدوات والأوراق المتاحة دفعة واحدة، وهو ما قد يعكس ضغوطًا داخلية دفعت نحو رد واسع تفاديًا لاتهامات التراخي.
- سابقة توسع الهجمات الإيرانية إلى دول الجوار: يمثل توسيع نطاق الهجمات ليشمل 8 دول عربية وخليجية بالإضافة إلى قبرص وإسرائيل سابقة لافتة في سلوك إيران العسكري المباشر، إذ ينطوي على مخاطرة سياسية تتعلق بعلاقاتها مع جوارها الإقليمي، وفي الوقت ذاته قد يعكس هذا التوجه رهانًا إيرانيًا على أن الضغوط الاقتصادية الناتجة عن تهديد إمدادات الطاقة وأمن الخليج ستدفع هذه الدول إلى ممارسة تأثير على واشنطن لاحتواء التصعيد، ما يكشف عن استخدام إيران لأداة الجغرافيا الجيوسياسية للطاقة والأمن ضمن معادلة الرد.
- اختلال في التماثل الاستخباراتي: إذ تكشف المواجهتان الأخيرتان عن فجوة واضحة في القدرة على تنفيذ عمليات دقيقة تستهدف قيادات عليا لدى الخصم، مقابل قدرة متقدمة لدى الطرف المقابل في هذا المجال، ما يشير إلى تفاوت في كفاءة شبكات الاختراق والعمليات الخاصة.
- تطور تكتيكات الاختراق الصاروخي الإيراني: تشير كثافة الضربات وتعدد موجاتها إلى تطور تكتيكات الإغراق العددي والتشتيت العملياتي، بما يهدف إلى استنزاف منظومات الاعتراض مرتفعة الكلفة، وخلق فجوات زمنية تسمح بمرور عدد من المقذوفات، وهو ما يعكس تراكم خبرات تشغيلية في مواجهة أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة.
- تحول نوعي في الاشتباكات لتشمل الجانب البحري: يعكس امتداد الاشتباك إلى المجال البحري محاولة متبادلة لرفع الكلفة الاقتصادية للصراع، خاصة عبر تهديد خطوط الملاحة وإمدادات الطاقة، بما ينقل المواجهة من بعدها العسكري المباشر إلى ساحة الضغط الاقتصادي العالمي.
- انضباط نسبي رغم التصعيد: رغم حدة الضربات واتساع نطاقها، تشير طبيعة الأهداف المختارة إلى استمرار قدر من الضبط المتبادل، بما يعكس رغبة ضمنية لدى الطرفين الإيراني والأمريكي في تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، ويوحي ذلك بأن التصعيد ما زال محكومًا باعتبارات الردع وإدارة المخاطر، لا بمنطق الكسر الكامل أو إسقاط الخصم -بعيدًا عن نظرة تل أبيب- ويعزز هذا التقدير استمرار الإشارات السياسية من طهران وواشنطن إلى عدم إغلاق مسار التفاوض كليًا، رغم ارتفاع سقف المواجهة العسكرية حتى بعد اغتيال المرشد الإيراني.
رابعاً: تداعيات المواجهات الجديدة في ضوء اغتيال خامنئي
أفرزت المواجهات الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران والرد الإيراني باستهداف دول عربية وإسرائيل وقواعد أمريكية بالمنطقة، عن جملة من التداعيات التي يمكن تقسيمها إلى 3 مستويات كالآتي:
أولاً؛ داخلياً
- الدفع نحو اختبار نووي أو إعلان امتلاك قدرة ردع صريحة: فبعد وفاة الزعيم الإيراني الذي حرم بموجب فتوى دينية أصدرها في منتصف تسعينات القرن الماضي امتلاك أسلحة الدمار الشامل ومنها السلاح النووي باعتبارها مخالفة للعقيدة الإسلامية، وانتقال مركز الثقل إلى المؤسسة الأمنية في رسم اتجاهات المرحلة الحالية، قد يتصاعد الجدل داخل النخبة الإيرانية حول جدوى الانتقال من سياسة العتبة النووية إلى امتلاك قدرة ردع صريحة.
- التعبئة الرمزية والاجتماعية وراء النظام الثوري: إذ يمثل اغتيال رمز ديني وسياسي بحجم خامنئي دافعًا لموجة من الاحتشاد الشعبي العفوي، مما يمنح النظام فرصة مؤقتة لتجاوز الخلافات الداخلية وتصدير الأزمة نحو “العدو الخارجي” ويجسد تلاحمًا في ظل وجود أزمات اقتصادية واجتماعية داخلية، قد توظفه القيادة الجديدة لتعزيز سردية الصمود.
- صعود تيارات أكثر تشددًا في النظام: من شأن الضغط الشعبي والمؤسسي من الحرس الثوري أن يفضي إلى اختيار مرشد أكثر راديكالية لضمان استمرارية النهج الثوري، مع الاعتماد على مجلس القيادة المؤقت لسد الفراغ في اتخاذ القرار، مستفيدين من الصلاحيات الدستورية الطارئة، بينما قد يعاني المرشد الجديد من “هشاشة شرعية” في البداية، سيستخدم حالة الحرب لترسيخ مكانته عبر قرارات حازمة، مستغلًا غياب مساحة النقد في الظروف الاستثنائية.
- تعزيز مكانة نتنياهو بين أواسط المتشددين: عبر استهداف رأس النظام الإيراني والسعي لتغييره كحركة لا تخلو من الدوافع السياسية الإسرائيلية لتعظيم الحظوظ في الانتخابات وتوحيد الإسرائيليين أمام العدو الخارجي في حرب وجودية عكسته إطلاق اسم “زئير الأسد” و”درع يهودا” وسرب “سفر التكوين” لإضفاء الطابع الديني.
ثانياً؛ إقليمياً ودولياً
- تعزيز التحالفات الإقليمية ولا سيما العربية منها: تعزيز المساعي نحو تحالفات أكثر مرونة وتفعيل بنود دفاع مشترك ولا سيما تشكيل قوة عربية مشتركة في ضوء التحديات الإقليمية سواء من إيران أو إسرائيل، لما تمثله الأذرع الإيرانية من مخاطر حتى وإن ضعفت، ويمثله الغطاء الأمريكي للتحركات الإسرائيلية وترتيباتها الأمنية الناشئة في شكل التحالف السداسي برفقة الهند وقبرص واليونان ودولة عربية وأثيوببا، من تحديات إقليمية.
- عزلة إقليمية لإيران: فرغم تنديد الشارع الشيعي في الإقليم باغتيال خامنئي ما يثير المخاوف من التحركات الحماسية العفوية في الدول ذات المكون الشيعي، إلا أن الدول المتضررة من السياسات الإيرانية في الضربة ستستخدمها كمبرر لإنهاء التهديد المستمر، في ظل حالة من القلق من تأثر إمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي جراء أي تهديد لمضيق هرمز.
- ترسيخ مقاربة السلام بالقوة للإدارة الأمريكية: إذ يعد ذلك نمط مستحدث تنتهجه الإدارة الأمريكية الحالية، توظفه كنصر سياسي يعزز موقعها السياسي داخليًا والترويج لفتح نافذة السلام والتفاوض من باب القوة، حيث تفرض العزلة الدولية المفروضة على طهران -بسبب ردود فعلها الانتقامية- ضغطًا هائلًا يدفعها للمفاضلة بين البقاء كدولة أو الاستمرار في التصعيد.
- تعزيز حالة الاستقطاب الدولي: في ضوء تعمق الانقسام بين القوى الكبرى حول شرعية العملية، ويعكس استمرار التحولات في بنية النظام الدولي.
- اختبار قواعد القانون الدولي المتعلقة باستهداف قيادات دول ذات سيادة: يثير استهداف رأس الدولة، حتى في سياق نزاع مسلح غير معلن، إشكاليات قانونية دولية معقدة تتعلق بمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل، وحدود تطبيق مفهوم الدفاع الشرعي المنصوص عليه في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، فبينما قد تبرر واشنطن وتل أبيب العملية باعتبارها إجراء وقائي لمنع تهديد وشيك، تصنفها طهران وحلفاؤها باعتبارها اغتيال سياسي خارج إطار القانون الدولي، ما قد يفتح الباب أمام أنماط رد غير متماثلة عابرة للحدود على المدى الطويل كمحاولات اغتيال ترامب باعتباره الآمر بقتل خامنئي وقاسم سليماني.
خامساً: مسارات التصعيد المحتملة
يظل سيناريو التصعيد المستمر والتحول إلى حرب إقليمية مفتوحة أحد الاحتمالات القائمة، فاستمرار تبادل الضربات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، مع انخراط أذرع طهران في العراق ولبنان واليمن، قد يوسع نطاق المواجهة، وسيؤدي ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، واضطراب التجارة العالمية، واستنزاف الاقتصادات الإقليمية، ومع ذلك فإن إدراك الأطراف لحجم الخسائر المتوقعة يجعل هذا المسار خيار تحاول القوى الرئيسية تجنبه، ما لم تفرضه تطورات ميدانية.
في المقابل، يبدو اتجاه الاستنزاف المتبادل هو الأقرب في المدى القريب، حيث تستمر العمليات العسكرية ضمن سقف محسوب يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، وتبقى الضربات مركزة على أهداف عسكرية وبنى تحتية محددة، مع توظيف أدوات غير تقليدية مثل الهجمات السيبرانية وتحريك الميليشيات الإقليمية، ويعيد هذا المسار إنتاج نمط “حروب الظل”، لكن بزخم أكبر نتيجة استهداف القيادات العليا، ما يجعل احتمالات الخطأ في الحسابات قائمة في كل جولة.
أما اتجاه التسوية المؤقتة والعودة إلى المفاوضات، فيفترض بلوغ العمليات العسكرية مستوى من التصعيد يدفع الأطراف إلى قناعة بعدم إمكانية تحقيق نصر حاسم، عندها قد تنشط وساطات دولية لفرض وقف إطلاق نار مرحلي، يتبعه اتفاق يعيد ترتيب البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات، مع التوافق على قواعد اشتباك جديدة تقلل احتمالات استهداف القيادات، غير أن تحقق هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية وضغوط دولية منسقة، فضلًا عن استعداد داخلي لدى الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة.
ورغم أن احتمال التفكك الداخلي الإيراني يظل أقل ترجيحًا، فإن استمرار الضربات وفشل القيادة الجديدة في تثبيت شرعيتها قد يؤديان إلى تفاقم الاحتجاجات واتساع الانقسامات الداخلية، وفي حال تداخل الأزمات الاقتصادية مع التوترات العرقية، قد تظهر نزعات انفصالية تهدد وحدة الدولة، ما سيخلق فراغ أمني خطير في الإقليم ويوفر بيئة خصبة لنشاط التنظيمات المتطرفة، فضلًا عن انعكاساته المباشرة على أسواق الطاقة العالمية.
كما قد تتجه القيادة الإيرانية الجديدة إلى إعادة تعريف استراتيجية الردع النووي إذا رأت أن استهداف رأس النظام يعكس قصور في منظومة الردع التقليدية، وقد يتجسد ذلك في تسريع تطوير برنامج نووي عسكري أو الإعلان عنه صراحة كضمانة لبقاء النظام، إلا أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام ضربات وقائية جديدة، رغم ما قد يحظى به داخليًا من دعم باعتباره أداة لحماية السيادة الوطنية.
كما يبرز اتجاه العزلة الدولية وتآكل الشرعية إذا استمر التصعيد وتبنت طهران ردودًا تُنظر إليها باعتبارها مفرطة، فقد تؤدي موجات متتالية من العقوبات والإدانات إلى تقليص العلاقات الاقتصادية وتعميق الضغوط الداخلية، ورغم أن استهداف القيادات قد يعزز شعور مؤقت بالالتفاف الشعبي، فإن استمرار العزلة وتفاقم الأزمات المعيشية قد يفضيان تدريجيًا إلى تآكل شرعية النظام، مع تعميق اصطفافه مع قوى غير غربية وتعزيز الاستقطاب الجيوسياسي.
وقد تتطور الأزمة نحو تدويل شامل يجعلها ملف تفاوضي عالمي تشارك فيه القوى الكبرى والمنظمات الدولية، وقد يفضي ذلك إلى عقد مؤتمر دولي لإعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمي، يتناول خفض التسلح وآليات الرقابة على البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني مقابل ضمانات أمنية واحترام متبادل للسيادة، ورغم أن نجاح هذا الاتجاه يتوقف على توافر إرادة سياسية دولية قادرة على تجاوز الحسابات الضيقة، فإنه يظل المسار الوحيد الذي يحمل إمكانية بلورة نظام أمني إقليمي أكثر استقرارًا على المدى البعيد.




