• من نحن
  • النشرة البريدية
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • الرئيسية
  • التقديرات
  • الإنذار المبكر
  • البرامج
    • الدراسات الإفريقية
    • الدراسات الفلسطينية- الإسرائيلية
    • الدراسات التركية
    • الدراسات الإيرانية
    • الدراسات الأذربيجانية
    • الاستراتيجيات والتخطيط
    • الإرهاب والتطرف
    • الطاقة
    • الذكاء الاصطناعي
    • الأمن السيبراني
    • التغير المناخي
    • السياسات العامة
  • المرصد
  • الإصدارات
  • الفعاليات
    • التدريب
    • ورش العمل
    • ندوات
  • نافذة مسارات
    • أخبار المركز
    • المركز في الإعلام
    • مقالات الرأي
    • انفوجراف
    • فيديوجراف
  • العربية

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

No Result
View All Result
مركز مسارات
الرئيسية البرامج الدراسات الفلسطينية- الإسرائيلية

تكنولوجيا القمع: الذكاء الاصطناعي والفصل العنصري في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين

د/ آية غريب محمد الفخراني بواسطة د/ آية غريب محمد الفخراني
فبراير 22, 2026
في الدراسات الفلسطينية- الإسرائيلية, نافذة مسارات
0
0
مشاركة
98
مشاهدة
Share on FacebookShare on Twitter
في العقود الأخيرة، لم يعد الفصل العنصري، الذي يشار إليه بمصطلح الأبارتهايد، محصورًا في التجارب التاريخية السابقة فحسب، بل تحول إلى إطار تحليلي وقانوني يستخدم لفهم وتفسير نظم القمع المنهجي التي تمارسها بعض الدول ضد جماعات إثنية أو عرقية داخل حدودها أو تحت احتلالها، حيث تجاوز هذا المفهوم مجرد كونه بند في معاهدات حقوق الإنسان، وأصبح أداة نقدية فعالة في تقييم سياسات التمييز والهيمنة التي تتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا في ظل التحولات التكنولوجية المعاصرة. وفي المقابل، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه إحدى السمات الجوهرية للعصر الحديث، متجاوزًا كونه تقنية وظيفية محدودة، ليصبح محورًا إستراتيجيًا في سباق النفوذ بين القوى العالمية، وقد امتد تأثيره إلى ميادين متعددة، من الاقتصاد والأمن القومي إلى الرعاية الصحية والتعليم، الأمر الذي يثير جملة من التحديات القانونية والأخلاقية العميقة التي تتطلب مقاربات تنظيمية وفكرية جديدة.
يتقاطع هذان البعدان الفصل العنصري والتطبيقات المتقدمة للذكاء الاصطناعي بشكل لافت لدى تحليل السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، إذ تبدو هذه الدولة في موقع مزدوج؛ فهي من جهة تطمح إلى المحافظة على مكانتها كمركز تكنولوجي متقدم على مستوى العالم، ومن جهة أخرى تستخدم هذه الأدوات التقنية في سياقات رقابية وأمنية تستهدف التحكم والسيطرة على الفلسطينيين وتحجيم حقوقهم الأساسية، لذلك تظهر أهمية الحاجة إلى فهم طبيعة توظيف الذكاء الاصطناعي خارج حدود الاستخدامات السلمية أو الاقتصادية التقليدية، عند توظيفه كجزء من آليات قمع منهجية تُعيد إنتاج أنماط الفصل والتمييز على أساس عرقي وسياسي.
تركز الدراسة على قراءة نقدية مزدوجة لممارسات إسرائيل في فلسطين من منظورين متكاملين: الأول هو تحديد مفهوم الأبارتهايد كما ورد في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، واستكشاف معاييره القانونية في تقييم الانتهاكات التي تمس الحقوق الأساسية للمجموعات العرقية، أما الثاني فيتعلق بتقصي طرق توظيف الذكاء الاصطناعي في تثبيت سياسات الفصل العنصري وفي ممارسة الإخضاع المباشر للسكان الفلسطينيين، عبر تحليل أدوات وتقنيات رقابية وأمنية تُستخدم في المراقبة والتحكم والتنبؤ بالسلوك.
وفي ضوء ذلك، تسعى هذه الدراسة للإجابة عن تساؤلات جوهرية مثل: كيف يعرف الأبارتهايد في الأطر القانونية الدولية، وما مدى تطبيق هذا التعريف على الواقع في فلسطين؟ وما هي الأدوات التي تستخدم لتوظيف الذكاء الاصطناعي في سياق الفصل العنصري؟ وكيف يتم توظيف هذه التقنيات في الإخضاع المباشر للمجتمعات الفلسطينية؟ وما هي الآفاق المستقبلية لتطور هذه التطبيقات في المجال العسكري، وتداعياتها القانونية والإنسانية؟ كما تتناول الدراسة قراءة نقدية لتحولات أدوات القمع من التشريعات الاستعمارية في الماضي إلى الأدوات الرقابية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في الحاضر، وما ينطوي عليه ذلك من انحرافات عن المبادئ الإنسانية، خصوصًا فيما يتعلق بحقوق الإنسان الأساسية والحماية من التمييز العنصري المنهجي.

أولاً- الممارسات الإسرائيلية العنصرية في فلسطين: قراءة قانونية وتحليلية

توفر معاهدات القانون الدولي لحقوق الإنسان والجنائي تعريفا عمليا للفصل العنصري، الذي يتيح لنا النظر في مسألة الفصل العنصري الإسرائيلي، بسبب الممارسات الاسرائيلية  في الأراضي الفلسطينية، حيث توفر اتفاقية الفصل العنصري ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المزيد من الوضوح بحسب المادة 2 من الفصل العنصري، التي تحدد قائمة من الأفعال غير الإنسانية، التي ترقى إلى مستوى الفصل العنصري إذا كانت قد ارتكبت لغرض السيطرة من قبل جماعة أو مجموعة عرقية  على مجموعة عرقية أخرى وقمعها بشكل منهجي.
وبالمثل، تشير المادة 7(2) ج من نظام روما الأساسي إلى الفصل العنصري كأفعال إجرامية ارتكبت في سياق نظام مؤسسي ممنهج بالقمع والسيطرة من قبل مجموعة عرقية واحدة، أو من مجموعات  عرقية عديدة، بنية الحفاظ على نظام الفصل العنصري، وتشير المادة (2) من اتفاقية الفصل العنصري إلى قائمة من الممارسات الأكثر تفصيلا، والتي تعتبر انتهاكات متصلة بحقوق الإنسان، ولكنها تصل إلى مستوى أكبر، وهو الفصل العنصري، عندما يرتكب بغرض  الحفاظ على هيمنة مجموعة أو جماعة عرقية على الاخرى، وهي:
  1. حرمان أى فرد من جماعة أو مجموعة عرقية من الحق بالحياة والحرية:  بقتل جماعة أو جماعات عرقية، إلحاق الضرر  بالجماعة العرقية، بدنياً أو نفسياً، من خلال التعدي على  حريته وعرقه، وإخضاعه للتعذيب والعقوبة القاسية، الاعتقال التعسفي والسجن غير القانوني لجماعة أو مجموعة عرقية.
  2. تعمد فرض ظروف معيشية على جماعة أو مجموعة عرقية بقصد التسبب في تدميرها مادياً، أو كلياً، أو جزئياً.
  3. اتخاذ تدابير تشريعية لمنع الجماعة من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد، وخلق ظروف عمداً لحرمان الجماعة أو المجموعة من حقوق الإنسان وحريتهم ومنعهم من التطور ، ومن ذلك الحق في العمل، وتشكيل نقابات عمالية، التعليم، مغادرة بلادهم والعودة إليها، الحق في الجنسية، التنقل والإقامة حرية الرأى والتعبير، حرية التجمع السلمي، تأسيس الجمعيات.
  4. فرض تدابير تشريعية تصمم على تقسيم السكان عن طريق إنشاء محميات منفصلة ومصادرة ملكية الأراضي التي تنتمى إليها الجماعة أو المجموعات العرقية.
  5. استغلال عمل افراد الجماعة  العرقية للعمل القسري. (1)
وفي هذا السياق، يمكن قراءة التشريعات البريطانية التي سادت في فلسطين قبل قيام الدولة الإسرائيلية، ومن ثم التشريعات التي استمر العمل بها بعد عام 1948، بوصفها امتدادًا للآليات القانونية التي تُمكن من ترسيخ نظام فصل عنصري ممنهج حسب المعايير الدولية، فقد أرسى الحكم العسكري البريطاني منذ الحرب العالمية الأولى إطارًا تشريعيًا يقوض الحقوق الأساسية للسكان الأصليين من خلال قوانين مثل قانون أراضي الموات (1921) وقانون الغابات (1926) وقانون نزع الملكية (1926) وقانون الأراضي – الاستملاك (1948)، والتي سُجلت بموجبها مساحات واسعة من الأراضي باسم الكيان الذي نشأ لاحقًا، ما شكل أساسًا لفصل اقتصادي واجتماعي مبكر بين المجموعات السكانية في فلسطين.
وبعد إعلان دولة إسرائيل، استمرت هذه القوانين وغيرها من التشريعات القمعية مثل قانون الطوارئ (1949) وقانون الدفاع الذي يحتوي على مواد عديدة خاصة بالرقابة والتحكم في الحريات، مما يعكس انتقالًا من الفصل العنصري الذي شكله الانتداب إلى فصل عنصري مؤسس بقانون الدولة الجديدة، فالقوانين العسكرية التي تمنح وزير الدفاع سلطة تعيين “حكام” عسكريين، وتقييد تحركات السكان، وتنظيم حرية التنقل والإقامة، بالإضافة إلى صلاحيات الاعتقال الإداري والإبعاد القسري، تُظهر استمرارية هيكل قمعي قانوني يتفق مع تعريف الفصل العنصري في القانون الدولي، إذ يحد من حرية الحركة والأساسيات المدنية للفلسطينيين، ويضعف من قدرتهم على المشاركة في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
وينسجم هذا الواقع مع ما ورد في اتفاقية الفصل العنصري ونظام روما الأساسي حول التحكم النظامي الممنهج في الحقوق الأساسية لجماعة عرقية بغرض الحفاظ على هيمنة جماعة أخرى، فمواد الاتفاقية التي تحدثت عن الحرمان من الحق في الحياة والحرية، فرض ظروف معيشية تهدف إلى التدمير الجزئي أو الكلي، التشريعات التي تمنع المشاركة في الحياة العامة، والقرارات المتعلقة بالتمييز العقاري والسياسي، كلها تجد صدى واضحًا في التشريعات التي ورثها وطورها الاحتلال الإسرائيلي بعد 1948، بما في ذلك قانون أملاك الغائبين (1950) الذي مكن الدولة من الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين الذين اضطروا للنزوح، وأدت هذه الممارسات القانونية المنظمة إلى تفكيك السلم الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات الفلسطينية.
بهذا المعنى، فإن ما بدأ تحت مظلة الانتداب العسكري البريطاني وتطور عبر التشريعات اللاحقة في الدولة الإسرائيلية يعكس عملية تحول تدريجي في البنى القانونية نحو نظام فصل عنصري مؤسس، يتجاوز مجرد الممارسات الأمنية إلى هيكل تشريعي متكامل يعيد إنتاج الانحيازات والتمييز على أساس عرقي وقومي، بما يتماشى مع تعريفات الفصل العنصري الدولية(2).
ويُعد قانون المحاكم الحاخامية الصادر عام 1953 من أبرز القوانين ذات الطابع الديني-الإثني، نظرًا إلى استناده المباشر إلى المرجعية الدينية في تنظيم مسائل الأحوال الشخصية، فبموجب هذا القانون يخضع الزواج والطلاق لسلطة المحاكم الحاخامية، ولا يُعترف بالزواج المدني، كما يُحظر زواج اليهود بغير اليهود، سواء أكان الطرف الآخر مسلمًا أم مسيحيًا، وتنعكس هذه المنظومة القانونية في قيود تتصل بمسائل الانتماء الديني والجنسية، إذ ترتبط بعض الحقوق بمعايير دينية، من بينها اعتبار اليهودية وفق النسب الأمومي معيارًا أساسيًا في تحديد الهوية الدينية، كما تواجه الأسر الناتجة عن زيجات مختلطة أو غير المعترف بها دينيًا أشكالًا متعددة من التعقيدات القانونية والتمييز(3) ويرتبط تبرير بعض هذه السياسات بخطاب ديني يستند إلى تأويلات لنصوص توراتية يستدعى توظيفها في السياقين السياسي والعسكري، وقد تجلى هذا التوظيف بوضوح خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حيث جرى تقديم الحرب آنذاك في بعض الخطابات بوصفها ذات إلهام ديني، مع الإشارة إلى نصوص تفسر على أنها تحض على قتال الأعداء، كما طُرحت مزاعم تاريخية-دينية تتصل بأحقيات جغرافية في أجزاء من جنوب لبنان، استنادًا إلى روايات توراتية مرتبطة بإحدى قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة، وهي قبيلة أشير4)
 ويمكن الإشارة إلى قانون العودة (1950)، والجنسية (1952)، باعتبارهما من أكثر القوانين عنصرية، واللذان يحثان على الهجرة اليهودية إلى فلسطين،  وهو ما أكده (بن جوريون) بقوله: إن هذين القانونين معاً هما الشرعية التي وعدنا بها كل يهودي في “المنفى” وقد صدر هذان القانونان تنفيذاً للمبدأ الصهيوني القائل: “إن إسرائيل هي الوطن القومي  للشعب اليهودي (5)، فقانون حق العودة يسمح لكل يهودي، أو معتنق للديانة اليهودية بحق المواطنة في إسرائيل،  وأعطى القانون كذلك صلاحية مطلقة لوزير الهجرة بمنح اليهودي شهادة هجرة، أو عدم منحه إياها؛ لأسباب وظروف تخضع لتقديره المطلق، وأن قراره هذا لا يقبل “المراجعة” ( 6)،  وبناء على هذا نجد سلب الأرض من ملاكها الأصليين التي احتلت عام (1948)، مع أن قانون المواطنة عدل مرات عدة، كان آخرها عام (2003)، إلا أن هذا القانون هو أشد القوانين تمييزاً وعنصرية، وبخاصة أن التعديل كان ينص صراحة على عدم منح المواطنة بـ (لم شمل) العائلات الفلسطينية، وبخاصة مواطني (1948)،  كما أنه لا يحق للفلسطيني من سكان الضفة والقطاع الذي يتزوج من فلسطينية تحمل الجنسية الإسرائيلية أن يحصل على الجنسية الإسرائيلية،  والأمر نفسه ينطبق على الفلسطينية من الضفة الغربية والقطاع، التي تتزوج فلسطينياً يحمل الجنسية الإسرائيلية،  إلا أن هذا لا ينطبق على اليهودي في حال اختيار شريك لحياته من أي مكان، أو قومية، أو جنسية في العالم؛ ومثل هذا القانون يؤدي بالضرورة إلى انهيار أسر فلسطينية بأكملها(7).
وفي عام (2010)، أقرت سلطات الاحتلال تعديلاً على ما يسمى بقانون المواطنة؛ بفرض قسم (الولاء) للدولة اليهودية على كل المتقدمين للحصول على (الجنسية الإسرائيلية) من غير  اليهود؛ أي أنه يستهدف الفلسطينيين العرب(8)،  وفي 19 يوليو 2018، أقر الكنيست الإسرائيلي قانون الدولة القومية لليهود في إسرائيل،  وينتهك هذا القانون العنصري حقوق المواطن الفلسطيني؛ فقد جاء ليعبر عن تكريس العنصرية، والتطهير العرقي (الأبارتايد)، فهو من أخطر القوانين التي أصدرتها حكومة الاحتلال، حيث يعد هذا القانون شرعنة للتمييز والعنصرية، وخطوة كبيرة نحو تحويل إسرائيل إلى دولة يهودية خالية من العرب؛ فهذا القانون لا يصادر فقط حقوق المواطن، وإنما حقوق الإنسان؛ لأنه يمنع الافراد من التعبير عن خصوصيتهم  القومية والثقافية، ويحد من حرياتهم. (9)
وفي ضوء ما تقدم، يتبين أن الإطار القانوني المنظم للواقع في فلسطين، كما تشكل تاريخيًا منذ مرحلة الانتداب البريطاني وتكرس لاحقًا عبر التشريعات الإسرائيلية المتعاقبة، يُظهر نمطًا من الاستمرارية البنيوية في توظيف القانون أداة لإعادة تشكيل المجالين الديموجرافي والسياسي على أسس تمييزية، فالتقاطع بين التشريعات المرتبطة بالأرض والمواطنة والأحوال الشخصية والتنظيم السياسي، وبين المعايير الواردة في الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يثير تساؤلات قانونية جدية حول مدى انطباق تعريف الفصل العنصري بوصفه جريمة دولية تقوم على الهيمنة المنهجية لجماعة عرقية على أخرى بقصد الإبقاء على هذه الهيمنة.

ثانياً- ممارسات إسرائيل في توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الفصل العنصري

يشير مصطلح “تكنولوجيا الفصل العنصري“ إلى توظيف التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة، كأدوات لتعزيز الهيمنة، وترسيخ الفصل، وممارسة الرقابة المنهجية على فئات سكانية محددة، ويُستخدم هذا المفهوم بشكل خاص لتحليل السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، حيث تدمج هذه التقنيات في البنية الأمنية والإدارية بهدف السيطرة المنظمة على السكان.
وفيما يلي، سيتم عرض أبرز أمثلة تكنولوجيا الفصل العنصري المستخدمة في الأراضي الفلسطينية، والتي توضح كيفية استغلال التكنولوجيا في فرض التقييدات والممارسات التمييزية.
1- تقنية الذئب الأحمر:
يشير مصطلح تكنولوجيا الفصل العنصري إلى استخدام التقنيات المتقدمة، بما في ذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي والمراقبة البيومترية، لترسيخ السيطرة والفصل بين الفئات السكانية، ومراقبتها بشكل منهجي، ومن أبرز الأمثلة على ذلك في الأراضي الفلسطينية نظام “الذئب الأحمر” في مدينة الخليل.
بموجب اتفاقية أُبرمت عام 1997 بين السلطات الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية، قُسمت مدينة الخليل إلى منطقتين: هـ1 وهـ2. تدير السلطة الفلسطينية المنطقة هـ1 التي تشكل حوالي 80% من مساحة المدينة، بينما تسيطر إسرائيل على المنطقة هـ2، بما فيها البلدة القديمة، ويقطنها نحو 33,000 فلسطيني بالإضافة إلى نحو 800 مستوطن إسرائيلي يقيمون في سبعة معازل استيطانية على الأقل بشكل غير قانوني.
يواجه الفلسطينيون في المنطقة هـ2 قيودًا صارمة على حرية الحركة، إذ يُحظر عليهم استخدام طرق مخصصة للمستوطنين الإسرائيليين، وتعيق شبكة من الحواجز العسكرية والعوائق حياتهم اليومية، بالمقابل يتحرك المستوطنون بحرية عبر طرق خاصة بهم دون الخضوع لأي قيود أو مرور عبر الحواجز.
يُعد نظام “الذئب الأحمر” جزءًا من منظومة مراقبة واسعة، ويعمل بالتوازي مع نظامي “قطيع الذئاب” (Wolf Pack) و”الذئب الأزرق” (Blue Wolf)، تحتوي قاعدة بيانات “قطيع الذئاب” على معلومات شاملة عن الفلسطينيين، بما في ذلك مكان الإقامة وأفراد الأسرة والحالة القانونية لهم، أما “الذئب الأزرق” فهو تطبيق يتيح للقوات الإسرائيلية الوصول إلى هذه البيانات عبر الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية بشكل فوري.
عند مرور فلسطيني عبر حاجز مزود بالنظام، يُمسح وجهه تلقائيًا ويُقارن بالسجلات البيومترية، ويُمنع من المرور إذا لم يكن له سجل أو إذا كانت هناك معلومات أخرى في ملفه الشخصي، مثل كونه مطلوبًا للاستجواب أو الاعتقال، ومع مرور الوقت يقوم الجنود بتدريب خوارزميات النظام لتحسين دقة التعرف على الوجوه، بحيث يصبح التعرف شبه تلقائي دون تدخل بشري.
توثق شهادات عسكرية وأبحاث منظمة العفو الدولية ومنظمة كسر الصمت أن مراقبة الفلسطينيين تحولت إلى ما يشبه “مسابقة”، إذ تُولد تصنيفات بعدد الفلسطينيين الممسوحين، ويُقدم للقادة العسكريين جوائز للكتيبة التي تحقق أعلى النتائج، ما يحفز الجنود على إبقاء الفلسطينيين تحت المراقبة المستمرة.
ويستند هذا النظام إلى بنية تحتية ضخمة من أجهزة المراقبة، حيث وصفت إسرائيل الخليل بأنها “مدينة ذكية”، تنتشر الكاميرات على جوانب المباني وأعمدة الإنارة وأسطح الأبنية وأبراج المراقبة، ما يعمق مستويات العزل والفصل في المنطقة هـ2 ويعزز شعور الفلسطينيين بأن مناطق واسعة من المدينة محظورة عليهم، حتى بالقرب من منازلهم.
وفي القدس الشرقية، وسعت الشرطة الإسرائيلية نطاق المراقبة ليشمل البلدة القديمة، من خلال شبكة متنامية من الكاميرات المدعومة بأنظمة التعرف على الوجه مثل MBAT 2000، ما يتيح التعرف على هويات المحتجين وإبقائهم تحت مراقبة مستمرة أثناء أنشطتهم اليومية، ويتزامن هذا التوسع مع نمو المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأحياء الفلسطينية، ما يعمق التحكم والسيطرة على الفلسطينيين ويزيد من مستوى الفصل القسري في المدينة المحتلة. (10 )
2- برنامج الذكاء الاصطناعي (لافندر ):
في أبريل 2024، وفي سياق العدوان  على قطاع غزة، نشر الصحافي الإسرائيلي يوفال ابراهام مقالًا في مجلة 972 كشف فيه عن استخدام الجيش الإسرائيلي للذكاء الاصطناعي في تحديد “أهداف بشرية” داخل القطاع, يُعتبر برنامج «لافندر» قادرًا على معالجة كم هائل من البيانات المتعلقة بمعظم سكان غزة تقريبًا، بغرض إنتاج قوائم بأشخاص يُحتمل أن يكونوا أعضاء في الأجنحة العسكرية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، بما في ذلك المقاتلون من الرتب الدنيا.
وكشفت مصادر داخل المؤسسة العسكرية أن الجيش الإسرائيلي سمح للضباط بالاعتماد على قوائم القتل التي يولدها «لافندر» تلقائيًا، واستهداف الأشخاص المدرجين فيها دون أي تقييم مستقل، على الرغم من العلم بأن نحو واحد من كل عشرة أشخاص قد يتم اختيارهم عن طريق الخطأ، وخلال ذروة عمل البرنامج تم تحديد نحو 37,000 شخص في غزة كأهداف محتملة، وربطهم ببرامج تتبع الموقع مثل «Where’s Daddy»، ما يمكن الجيش من تنفيذ الضربات في منازلهم، بما يؤدي أحيانًا إلى استهداف أسر كاملة.
لفهم كيفية عمل برنامج مثل «لافندر»، يجب النظر إلى السياق الذي نشأ فيه، فمن منظور أوسع يمثل البرنامج استمرارًا لتاريخ طويل من السيطرة الإسرائيلية على جميع جوانب حياة الفلسطينيين، من خلال المراقبة والفصل والتمييز المنهجي، ومن أجل إنشاء نظام “توليد أهداف” مدعوم بالذكاء الاصطناعي، يحتاج البرنامج إلى كميات ضخمة من البيانات عن السكان المستهدفين.
يُدرب «لافندر» على بيانات الأشخاص الذين يُعرفون ارتباطهم المحتمل بالأجنحة العسكرية لحماس أو الجهاد الإسلامي، ما يمكنه من التمييز بين المقاتلين والمواطنين العاديين، ويثير هذا التدريب تساؤلات قانونية وأخلاقية حول كيفية تحديد “عضوية” أي شخص في جماعة مسلحة، وما هي المعايير والسمات المستخدمة في تصنيف الأفراد، وتشمل البيانات المستخدمة بحسب ما جاء في كتاب الجنرال الإسرائيلي يوسي سارييل (The Human-Machine Team، الصادر باسم مستعار)، معلومات متنوعة عن الأفراد، منها: البيانات المرئية، معلومات الهواتف المحمولة، الاتصالات على وسائل التواصل الاجتماعي، أنشطة ساحة المعركة، جهات الاتصال الهاتفية، والصور.
على الرغم من عدم الإفصاح عن جميع السمات الدقيقة المستخدمة في التدريب، أشار سارييل إلى أن النظام يمكنه في النهاية التمييز بين السمات بشكل مستقل، بعد أن يحدد الضباط البشر السمات المرتبطة بالعضوية في جماعة مسلحة، مثل التواجد في مجموعة مراسلة مع مسلح معروف، أو تغيير الهواتف والعناوين بشكل متكرر.
يقوم برنامج «لافندر» بتقييم كل فرد في غزة تقريبًا، ويمنحه تصنيفًا من 1 إلى 100 يحدد درجة ارتباطه الفعلي بالجناح العسكري، ويعتمد عدد الأهداف المحتملة على “السقف المحدد” لتقييم كل شخص، بحيث يؤدي خفض السقف إلى إدراج مزيد من الأشخاص في قائمة القتل، بينما يتيح البرنامج توليد أهداف جديدة بسرعة غير مسبوقة.
تشير هذه التفاصيل إلى المخاطر الكبيرة لانتهاكات حقوق الإنسان التي يطرحها استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة، خاصة عند اعتماد النظام على بيانات ضخمة ومتحركة وتصنيفات قد تكون خاطئة، مع اتخاذ قرارات مميتة دون إشراف أو تقييم بشري مستقل.(11)
3- نظام “جوسبل” آلية التصنيف الآلي  للأهداف الجماعية:
يُعرف نظام “جوسبل”، المعروف أيضًا باسم “هابسورا”، كنظام ذكاء اصطناعي طورته وحدة الاستخبارات الإسرائيلية الشهيرة 8200 لتوليد قوائم الأهداف بشكل آلي وسريع، أُطلق النظام عام 2019 بهدف إنشاء “بنك أهداف” ضخم يغطي الاحتياجات التشغيلية للقوات، ويعالج النقص الذي كانت تواجهه القوات الجوية بعد فترات قصيرة من بدء العمليات العسكرية، وتجربة النظام الأولى كانت في عام 2021 داخل قطاع غزة.(12)  يعتمد النظام على جمع البيانات من مصادر استخباراتية متعددة، تشمل لقطات الطائرات بدون طيار، والاتصالات المقطوعة، وبيانات المراقبة، بالإضافة إلى المصادر المفتوحة، ويُدعى أن النظام يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لمعالجة هذه البيانات الضخمة، وتقديم توصيات هجومية للوحدات العسكرية، مع تضمين تقديرات محتملة للأضرار المدنية، أما بالنسبة للدور البشري فتشير التقارير إلى أنه يقتصر على مراجعة الأهداف التي يولدها النظام والتحقق منها قبل رفعها للقائد للموافقة النهائية، بما يتطلب تحقيق “تطابق كامل” بين توصية النظام وتقييم المحلل البشري قبل تنفيذ الضربة، ومع ذلك يثير بعض المحللين شكوكًا حول قدرة النظام على معالجة التعقيدات المرتبطة بالاستهداف العسكري، مثل تقدير الأضرار الجانبية بدقة، مما يوحي بأن استقلالية النظام أقل مما يُشاع، وأن الآلة تعمل أساسًا على معالجة البيانات واستخلاص الأنماط، بينما يظل البشر مسؤولين عن صياغة الهدف النهائي.(13) يدعي الجيش الإسرائيلي أن الذكاء الاصطناعي ساهم في استهداف المسلحين بدقة أكبر، ويصفه البعض بأنه بمثابة “مصنع اغتيال جماعي”، ومع ذلك فإن الزيادة الملحوظة في عدد القتلى المدنيين في غزة تثير تساؤلات حول فعالية هذه الخوارزميات، ويشكك عدد من الخبراء، مثل توبي والش، كبير العلماء في معهد الذكاء الاصطناعي بجامعة نيو ساوث ويلز، فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي فعالًا كما يُدعى، أو أن الجيش لا يعطي أولوية كافية لتقليل الضرر الجانبي الناتج عن العمليات.(14)

ثالثاً- توظيف الذكاء الاصطناعي في السيطرة على الوعي والمراقبة والتنبؤ بسلوك الفلسطينيين

إن توظيف الذكاء الاصطناعي في التعامل مع الفلسطينيين لا يمثل ظاهرة معزولة، بل جزءًا من اتجاه عالمي أوسع لدمج هذه التقنية في أنظمة الإدارة والحكم، فكما تستخدم الدول الذكاء الاصطناعي في تخطيط المدن والبنية التحتية، تستغله إسرائيل في تحليل الجغرافيا وتخطيط التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، بهدف فرض قيود على التوسع العمراني الفلسطيني والسيطرة على الأراضي، في هذا السياق سنستعرض ثلاثة جوانب رئيسية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة الإخضاع المباشر للفلسطينيين:
1- غسيل الأدمغة والتلاعب بالأفكار:
في عام 2020، كشف هليل كوين، الاستاذ في الجامعة العبرية، عن محاولات إسرائيل لتغيير  تصورات الفلسطينيين عن إسرائيل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثال على ذل : صفحة “بدنا نعيش” على منصة التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، التي أنشأها جهاز الشاباك لتبدو كصفحة فلسطينية تروج لفكرة أن الفلسطينيين يسعون للهدوء والاستقرار ،  في مقابل “المقاومة” الذين تضر أعمالهم  بحياة الناس. (15)
يستعرض كوهين في مقالة أمثلة مشابهة توضح أن إسرائيل تستثمر جهوداً كبيرة في تغيير وعي الفلسطينيين تجاه الاحتلال، والهدف هو خلق واقع وهمي عبر الإنترنت يظهر الضفة الغربية كمنطقة يعيش فيها الإسرائيليون والفلسطينيون بسلام، في حين يصور المقاومون على أنهم عقبة أمام السلام والتقدم، وفي هذا الإطار تسعى إسرائيل  إلى إقناع الفلسطينيين بأن إسرائيل ليست سيئة إلى الحد الذي يستدعى المقاومة أو الثورة، وأن المقاومة ذاتها  تمثل تهديداً  لمصالحهم.
مثال لذلك  شركة “Team Jorge”، وهى شركة إسرائيلية صغيرة أُنشئت بواسطة خريجي وحدات استخباراتية تقوم ببيع خدماتها إلى الأنظمة الاستبدادية والأحزاب الفاسدة في مختلف أنحاء العالم، وخصوصاً في آسيا وافريقيا، وتملك القدرة  على إنشاء وإدارة عشرات الآلاف من الحسابات الوهمية باستخدام الذكاء الاصطناعي ، وتستخدم هذه الحسابات لصناعة انطباعات زائفة أو إثارة الفتن، حسب طلب العملاء. (16)
تعتمد هذه العمليات على استغلال نقط ضعف معروفه ومثبته منذ الخمسينات في علم النفس وهى أن الناس يميلون إلى تشكيل آرائهم بناء على ما يعتقدون أنه رأى الأغلبية، أو رأى الأشخاص الذين يشبهونهم من الناحية الثقافية أو الاجتماعية(17)، وبفضل استغلال البيانات الضخمة والاستهداف الدقيق، يمكن توجيه محتوى  محدد لكل  فرد أو فئة اجتماعية بناءً على  يؤثر فيها.
حيث يدخل الشخص  إلى وسائل التواصل الاجتماعي فيجد أن كثيرين حوله يشاركون  آراء أو معلومات تبدو مقنعة، مما يؤثر على قناعاته الأصلية، في حين أن هذه الآراء  تأتي من حسابات وهمية  يديرها الذكاء الاصطناعي، حتى إنه ومع تطور النماذج اللغوية الكبيرة، أصبحت الحسابات الوهمية قادرة على الانخراط في نقاشات مطولة، مما يصعب التمييز بين الحقيقي والمزيف.
إن جاذبية ومنفعة هذه التكنولوجيا لدولة الاحتلال واضحة، فبدلاً من استثمار  الجهد فى مواجهة  المقاومة، والانتفاضات، أو التمرد، وبدلاً من التضحية بالاقتصاد وحياة الجنود في النزول إلى الميدان لمواجهة المقاومين على الارض، توفر هذه التكنولوجيا فرصة لخلق واقع لا فيه المقاوم أو حتى فكرة المقاومة من الأساس،  فالسيطرة والإخضاع يبدأن بفصل الناس  وعيهم  وقناعاتهم، وهو ما يختصر الجهد الذي تحتاج إليه دولة الاحتلال في أي مرحلة لاحقة (18).   
2- جمع المعلومات  وتحليلها والتنبؤ  بالسلوك:
لا تفصح إسرائيل عن تفاصيل استخداماتها للذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة ضد الفلسطينيين، باعتبارها اسرار عسكرية واستخباراتية، لذلك لا يمكن استكشاف بعض هذه القدرات من تقارير إعلامية  إسرائيلية، مثل تقرير لموقع  (Ynet) في عام 2021، الذي تحدث عن معرض نظمه جهاز الشاباك، استهدف كبار المهندسين والمبرمجين في القطاع الخاص، محاولاً استقطابهم للعمل في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، وكشف التقرير  بشكل مختصر بعض تقنيات الشاباك المستخدمة لمراقبة الفلسطينيين والتنبؤ  بأي نية لعمل مقاوم. (19)
على سبيل المثال، يفهم من التقرير أن الاحتلال  يسجل معظم ما يصدر  عن الفلسطينيين  عبر الوسائط الرقمية، بما في ذلك كل المكالمات الهاتفية، والرسائل الالكترونية، والتفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي، وبيانات الـ GPS،  حتى إنه يتيح للاحتلال  معرفة من مر ، ومن أين، ومتى.
وكشفت تقارير أخرى، أن ذلك يتم من خلال تقنيات التعرف على الوجوه التى تحلل الصور المأخوذه من كاميرات  المراقبة المنتشرة في الشوارع وعلى الحواجز. (20 ) 
والهدف من جمع  هذا الكم الهائل من البيانات هو تسخير الذكاء الاصطناعي لتحليلها  بشكل يعزز قدرة الاحتلال  على السيطرة، فمثلاً: يمكن تحليل محادثة عادية بين جارتين لاستخراج معلومات قيمة عن سلوك أحد أفراد العائلة، ولا  حاجة هنا إلى  تخصيص بشر يراقبون كل مكاملة، بل يكفي تسجيل كل شىء  من كل أحد بشكل آلي، ثم يتم استخدام قدرة الذكاء الاصطناعي على فهم سياقات الحديث والبحث ضمن البيانات الضخمة عما  قد يمكنه من لفت انتباه الاستخبارات  إلى معلومات دقيقة يبحثون عنها وسط كل هذا الكم من التسجيلات ( 21)
ويمكن للذكاء الاصطناعي، من خلل خوارزميات متقدمة، تحليل هذا المحتوى لاستخلاص استنتاجات دقيقة غير مباشرة  تتعلق بسلوك أفراد أو جماعات أو المجتمع  ككل،  كما يمكنه ربط معلومات متفرقة لكشف أنماط خفية؛ مثل من خلال بيانات الـ GPS التي تدل عىل التواجد في المكان نفسه في الوقت نفسه، والانضمام  إلى مجموعات واتساب مشتركة، ومن البيانات وفي وسائل التواصل الاجتماعي التي تدل على اهتمامات مشتركة، يمكن للنظام استنتاج وجود علاقة  ما بين  شخصين من المنطقة نفسها، حتى لو كانا يحرصان على إخفائها، وبالتالي إن كان هناك شكوك في  أحدهما فهذا يعني الحاجة إلى  مزيد من المراقبة  للشخص الآخر .
وبالاضافة إلى المراقبة، فإن الهدف الأساسي هو التنبؤ بالسلوكيات المحتملة للأفراد والمجموعات، ومنع أعمال المقاومة قبل وقوعها، ووفقا لتصريحات بعض قادة الاستخبارات، هناك ثقة كبيرة في قدرة الذكاء الاصطناعي على  التنبؤ بالسلوكيات، مما قد يؤدي إلى اعتقالات استباقية، وإلى جانب مراقبة الأفراد، يسعى الاحتلال  لفهم التوجهات العامة للمجتمع الفلسطيني، مثل رصد مؤشرات الاحتقان الشعبي التي قد تؤدي إلى اندلاع  انتفاضة، واتخاذ إجراءات استباقية لمنعها. (22)
3- التخطيط العمراني والسيطرة على الأرض:
يستخدم الاحتلال الإسرائيلي الذكاء الاصطناعي لتحليل الجغرافيا وتخطيط التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، بما يتيح فرض قيود على التوسع العمراني الفلسطيني وتحديد مناطق السيطرة بشكل دقيق، يشمل ذلك جمع ومعالجة كميات ضخمة من البيانات حول الأراضي، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية، والمسح الطبوجرافي، وبيانات البناء، والطرق، والمياه، وشبكات الكهرباء. ومن خلال هذه البيانات، يقوم الذكاء الاصطناعي بتوليد خرائط ديناميكية تُظهر توزيع السكان الفلسطينيين والمستوطنين، ومسارات الطرق المقترحة، والمناطق المهددة بالمصادرة أو التقييد. كما يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتصميم شبكات البنية التحتية التي تدعم الفصل بين الفلسطينيين والمستوطنين، بما في ذلك:
  • الطرق المخصصة للمستوطنين فقط، التي تربط بالمستوطنات وتلتف حول المدن والقرى الفلسطينية.
  • الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش الذكية، المزودة بأنظمة مراقبة متقدمة، تشمل التعرف على الوجوه والمسح البيومتري للسيطرة على حركة الفلسطينيين.
  • تحديد مناطق البناء الفلسطينية المسموح بها، مع فرض قيود صارمة على التوسع العمراني الفلسطيني، بما يحافظ على توسيع المستوطنات دون عوائق.
يُتيح الذكاء الاصطناعي محاكاة سيناريوهات متعددة للتوسع المستقبلي، بحيث يمكن للاحتلال اختبار تأثير أي خطوة تنظيمية أو توسعية على الأراضي الفلسطينية قبل تنفيذها فعليًا، بما يعزز القدرة على السيطرة الاستراتيجية وتجزئة الأراضي الفلسطينية بطريقة ممنهجة.
علاوة على ذلك، تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالنمو السكاني الفلسطيني وتحديد المناطق التي قد تشهد مقاومة أو احتجاجات، ما يسمح للاحتلال بتخطيط مراكز التحكم، ونقاط المراقبة، وقيود الحركة مسبقًا لضمان الحفاظ على الهيمنة والفصل العنصري على المدى الطويل.

رابعاً- المسارات المستقبلية للذكاء الاصطناعي الإسرائيلي في المجال العسكري والفصل العنصري تجاه الفلسطينيين

من المتوقع أن يقود الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مستقبلًا، خاصة مع التقارب بين الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة الأخرى مثل الحوسبة الكمومية (Quantum Computing) والتكنولوجيا الحيوية (Biotechnology)، إلى إعادة تعريف طبيعة الحرب وأساليب السيطرة على الأراضي والشعوب، وقد تترجم هذه التطورات إلى “حرب مفرطة“ تتميز بعمليات سريعة ومستقلة تتجاوز قدرات البشر على التقييم اللحظي، ما يعزز القدرة على تنفيذ استهداف فلسطيني أكثر دقة وسرعة مع تقليل التدخل البشري المباشر.
تتوقع الاتجاهات المستقبلية أن يشمل توظيف إسرائيل للذكاء الاصطناعي في فلسطين:
  1. تعزيز الاستقلالية والقدرة التنبؤية للأنظمة العسكرية: التطور في مجال التعلم الآلي، وخصوصًا التعلم التعزيزي والتعلم الانتقالي، قد يمكن الأنظمة العسكرية من التكيف بشكل ذاتي مع الظروف الميدانية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يتيح استهداف المواقع والأفراد الفلسطينيين بشكل أكثر دقة، دون الحاجة إلى إشراف بشري مباشر، وهذا يوسع نطاق العمليات العسكرية والفصل العنصري، من مراقبة الحركة والتنبؤ بالسلوكيات إلى تنفيذ اعتقالات استباقية وضربات دقيقة.
  2. الحوسبة العصبية والذكاء الاصطناعي المتقدم: تقنيات الحوسبة العصبية التي تحاكي الشبكات العصبية البيولوجية، توفر قدرة أكبر على التعرف على الأنماط وكشف الشذوذ في سلوك الأفراد والمجتمعات الفلسطينية، حيث يمكن استخدام هذه الأنظمة لتعزيز المراقبة الرقمية، وتحليل البيانات البيومترية والاجتماعية، وخلق تصنيفات دقيقة للفلسطينيين لأغراض الفصل والعزل، ما يجعل المراقبة أكثر شمولاً ودقة من أي وقت مضى.
  3. الحوسبة الكمومية وتفوق القدرة الاستراتيجية: الحوسبة الكمومية تفتح أفقًا لإمكانيات ثورية في حل مشاكل التخطيط العسكري، التحسين اللوجستي، واستهداف الشبكات الفلسطينية، وهذا يعزز قدرة الاحتلال على السيطرة الاستراتيجية على الأراضي الفلسطينية، وتحسين نظم البنية التحتية الخاصة بالمستوطنات، وإنشاء شبكات الحواجز والطرق المخصصة، مع تمكين القرارات الفورية المبنية على تحليل بيانات ضخمة بشكل لم يكن ممكنًا سابقًا.
  4. التعاون بين الإنسان والآلة: تظل علاقة الإنسان بالآلة محورًا أساسيًا، حيث تعمل إسرائيل على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (Explainable AI) ضمن برامج مثل وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة DARPA، بهدف تمكين الجنود والضباط من فهم كيفية عمل الأنظمة المستقلة واتخاذ القرارات المتعلقة بالفلسطينيين، ويسمح هذا بتحسين عمليات المراقبة، والتنبؤ، والاستهداف، مع تعزيز قدرة الاحتلال على الإبقاء على سيطرته واستدامة سياسات الفصل العنصري.
من خلال هذه الورقة البحثية  يمكننا استخلاص عدد من النتائج:
  1. تفويض القرارات الحيوية للآلة: فعندما تتحول العملية من تقييم بشري مفصل لكل هدف إلى مجرد “ختم مطاطي” آلي خلال 20 ثانية، تختفي المسؤولية الفردية، ومن ثم يصبح من الصعب تحديد من المسؤول عن قتل عائلة بأكملها إذا كان القرار في جوهره صادرًا عن خوارزمية،  هذا يخلق “غلافًا تكنولوجيًا” يسمح للجنود والضباط بالتنصل من العبء النفسي والأخلاقي لعمليات القتل.
  2. استراتيجية ممنهجة لاستهداف النسيج الاجتماعي: استخدام نظام “أين أبي؟” لتتبع الأهداف إلى منازلهم وقصفهم ليلاً مع عائلاتهم ليس مجرد مسألة “تكتيكية سهلة”. من الناحية السياسية، يمكن تفسيره على أنه استراتيجية لتفكيك الروابط العائلية والمجتمعية، وإحداث صدمة جماعية عبر قتل أعداد كبيرة من المدنيين المرتبطين – ولو بشكل افتراضي –  بالمقاومة، هذا يعزز منطق “العقاب الجماعي” كأداة لتحقيق أهداف أمنية.
  3. أزمة أخلاقية في عصر الذكاء الاصطناعي: تضع “إسرائيل” نفسها في قلب الجدال العالمي حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب، فهذه الأنظمة تمثل سابقة خطيرة قد تحذو حذوها جيوش ودول أخرى، مما يهدد بإضفاء الطابع الآلي على القتل ويقوض المبادئ الإنسانية في النزاعات المسلحة.
  4. تعزيز المراقبة والتحكم الاجتماعي: توظيف الذكاء الاصطناعي في جمع البيانات وتحليلها والتنبؤ بسلوك الفلسطينيين يعمق من آليات السيطرة على الحياة اليومية، ويحول المراقبة من أداة تكتيكية إلى هيكل دائم للفصل والتمييز، ما يخلق بيئة مستمرة من الخوف والرقابة.
  5. أثير طويل المدى على المقاومة الفلسطينية: بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تصبح مقاومة الفلسطينيين أكثر صعوبة، حيث يمكن استباق أي تحرك محتمل، وفرض قيود على التنقل، والمراقبة الرقمية الشاملة، والتأثير النفسي عبر الحروب النفسية والتلاعب بالمعلومات.
  6. ترسيخ الفصل العنصري التكنولوجي: تظهر الأدوات الحديثة مثل التعرف على الوجه، والذكاء الاصطناعي العسكري، وأنظمة المراقبة الذكية، كآليات لتكريس الفصل بين الفلسطينيين والمستوطنين، ما يعمّق عدم المساواة ويجعل السيطرة الإسرائيلية أكثر استدامة على المدى الطويل.
  7. تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة سياسية واستراتيجية: لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل أصبح جزءًا من الاستراتيجية الأمنية والسياسية لإسرائيل، حيث يُوظف في التخطيط العمراني، توجيه العمليات العسكرية، إدارة الأراضي، وإعادة تشكيل واقع الفلسطينيين وفق مصالح الاحتلال.

المصادر:

  1. فؤاد بكر : الابارتهايد الاسرائيلى في القانون الدولي : متاح  على الرابط التالي: https://www.bahethcenter.net/uploaded/files
  2. احمد يوسف: الابارتيد في فلسطين العنصرية المتأسسة (مجلة شؤون  الاوسط، العدد 107، 2002) ص71.
  3. غوراوف ستيفان: العنصرية مبدأ أساسي في الصهيونية (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1979) ص39.
  4.  نادية سعد الدين: حق عودة اللاجئيين الفلسطينيين بين حل الدولتين ويهودية الدولة (بيروت، مركز زيتونه للدراسات، 2011) ص 93.
  5.  إحسان سامى الكيالى: العنصرية الصهيونية فى الدستور والقوانين الاساسية الاسرائيلية (اتحاد المحاميين العرب، 1976) ص68.
  6.  نادية سعد الدين: المرجع السابق، ص16.
  7. عباس اسماعيل: عنصرية اسرائيل (بيروت، مركز زيتونة للدراسات، 2008) ص52:51.
  8.  نادية سعد الدين: المرجع السابق نفسه، ص16.
  9.  حسين بن محمد الحسن: إقرار قانون الدولة  القومية لليهود: قراءة فى المضمون (الرياض، مركز البحوث والتواصل المعرفي، 2018) ص39.
  10. منظمة العفو الدولية: إسرائيل/الأراضي الفلسطينية المحتلة: السلطات الإسرائيلية تستخدم تكنولوجيا التعرف على الوجه لترسيخ نظام الفصل العنصري (أبارتهايد)، متاح على الرابط التالي:   https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2023/05/israel-opt-israeli-authorities-are-using-facial-recognition-technology-to-entrench-apartheid/
  11.  دجونا شاموس: الحرب المستمرة : ترجمة: حلا ميا: متاح على الرابط التالي: https://alsifr.org/lavender-program-gaza
  12. المركز الاوروبي  لدراسات ومكافحة الإرهاب  والاستخبارات، دور الذكاء الاصطناعي  في الأمن السيبراني، متاح على الرابط التالي: https://www.europarabct.com
  13.  محمد يوسف،  “نظام غوسيل” .. كيف ترتكب اسرائيل  إبادة جماعية بالذكاء الاصطناعي ؟ متاح على الرابط التالي: https://www.ajnet.me/
  14.   Michael N. Schmitt, “Israel” – Hamas 2024 Symposium – The Gospel, Lavender, and the Law of Armed Conflict“, United States Military Academy , lieber institute, Jun 28, 2024
  15.   H. Cohen, “Israel is trying to change Palestinian perception of the occupation,” Haaretz, 8/8/2020:   https://www.haaretz.com/israel-news/.premium.MAGAZINE-on-facebook-israel-is-trying-tochange-how-palestinians-see-the-occupation-1.9051855
  16.  S. Kirchgaessner, M. Ganguly, D. Pegg, C. Cadwalladr & J. Burke, “Revealed: the hacking and disinformation team meddling in elections,” The Guardian: https://www.theguardian.com/world/2023/feb/15/revealed-disinformation-team-jorge-claimmeddling-elections-tal-hanan
  17.  S. E. Asch & H. Guetzkow, “Effects of group pressure upon the modification and distortion of judgments,” Organizational Influence Processes, pp. 295–303 (1951).
  18. طارق عكش: الذكاء الاصطناعي كأداة  لسيطرة الاحتلال على الفلسطينيين (مؤسسة الدراسات الفلسطينية – ورقة سياسات – العدد 108 ، 2024 ) ص8
  19.  T. Shahaf, “The Shin Bet’s AI foils terror attacks,” Ynet, 24/12/2019 https://www.ynet.co.il/digital/article/Byuf30vAH
  20. Amnesty International, “Israel/OPT: Israeli authorities are using facial recognition technology to entrench apartheid,” 2/5/2023: https://www.amnesty.org/en/latest/news/2023/05/israel-opt-israeli-authorities-are-using-facialrecognition-technology-to-entrench-apartheid/
  21. طارق عكش: مرجع سابق ، ص5.
  22. T. Shahaf,op.cit
  23. Robert H. Latiff, Future War: Preparing for the New Global Battlefield (New York: Knopf, 2017).
  24. شريف شعبان مبروك: الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات  (استشراف للدراسات المستقبلية، العدد 9، 2024) ص163.
  25. Karina Vold, “Human-AI Cognitive Teaming: Using AI to Support State-Level Decision Making on the Resorto Force,” Australian Journal of International Affairs, vol. 78, no. 2 (2024), pp. 123-140t
  26.  شريف شعبان مبروك: مرجع سابق: ص164.
Tags: الأبارتهايدالسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيينالممارسات الإسرائيلية العنصرية في فلسطينتكنولوجيا الفصل العنصريتكنولوجيا القمعتوظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الفصل العنصري
المنشور التالي

التغطية الإعلامية لندوة «مسارات» حول فرص التكامل اللوجستي المصري عبر ممر تازارا

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

نشر حديثًا

الطاقة

في ضوء التحول الطاقوي الأوروبي: هل يصبح الربط الكهربائي بوابة مصر نحو نفوذ استراتيجي جديد؟

المركز في الإعلام

التغطية الإعلامية لندوة «مسارات» حول فرص التكامل اللوجستي المصري عبر ممر تازارا

الدراسات الفلسطينية- الإسرائيلية

تكنولوجيا القمع: الذكاء الاصطناعي والفصل العنصري في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين

أخبار المركز

مركز مسارات يناقش فرص مصر لتعزيز التكامل اللوجستي والاستثماري عبر ممر تازارا

مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية

مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإعداد التقديرات الاستراتيجية والتحليلات المعمقة للقضايا الإقليمية والدولية ذات الصلة بالأمن القومي، والسياسات العامة، والعلاقات الدولية، يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويهدف إلى دعم صانع القرار برؤى موضوعية ومبنية على معطيات دقيقة، في بيئة تتسم بتعقيد وتسارع التحولات.

اتصل بنا

  • شارع الماظة الرئيسى بالتقاطع مع شارع الثورة الرئيسى - مصر الجديدة
  • 01062042059 - 01080841505
  • [email protected]

النشرة البريدية

اشترك الآن في نشرتنا البريدية:

جميع الحقوق محفوظة © 2025 – مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية | تنفيذ ♡ Dotsmaker

No Result
View All Result
  • الرئيسية
  • التقديرات
  • الإنذار المبكر
  • البرامج
    • الدراسات الإفريقية
    • الدراسات الفلسطينية- الإسرائيلية
    • الدراسات التركية
    • الدراسات الإيرانية
    • الدراسات الأذربيجانية
    • الاستراتيجيات والتخطيط
    • الإرهاب والتطرف
    • الطاقة
    • الذكاء الاصطناعي
    • الأمن السيبراني
    • التغير المناخي
    • السياسات العامة
  • المرصد
  • الإصدارات
  • الفعاليات
    • التدريب
    • ورش العمل
    • ندوات
  • نافذة مسارات
    • أخبار المركز
    • المركز في الإعلام
    • مقالات الرأي
    • انفوجراف
    • فيديوجراف
  • العربية