شهد الفضاء الأطلسي مطلع عام 2026 تطورًا تصعيديًا غير مسبوق، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيته ضم جزيرة جرينلاند، الخاضعة للسيادة الدنماركية، إلى الولايات المتحدة، في خطوة مثلت خروجًا واضحًا عن القواعد الحاكمة للعلاقات بين الحلفاء داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقد تزامن هذا الطرح مع تهديدات أمريكية بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية أعضاء في الحلف، في حال عدم التوصل إلى صفقة تقضي بنقل السيادة على الجزيرة إلى واشنطن.
واتخذت الضغوط الأمريكية طابعًا متعدد الأدوات، لم يقتصر على المسار الاقتصادي، بل امتد إلى البعدين الأمني والرمزي، عبر التلويح بإقامة منظومة “القبة الذهبية” للدفاع الصاروخي فوق جرينلاند، إلى جانب إعادة تداول خرائط وتصورات جيوسياسية تُظهر إعادة تشكيل المجال الجغرافي للولايات المتحدة بما يشمل جرينلاند وكندا وفنزويلا، بما يعكس توجهًا أمريكيًا يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي والمجال الحيوي، حتى وإن جاء ذلك على حساب التوافقات التقليدية داخل المنظومة الغربية.
وتعمق التوتر داخل المعسكر الأوروبي–الأمريكي مع إعادة ترامب، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس، طرح فكرة “شراء جرينلاند” بوصفها خيارًا استراتيجيًا، مؤكدًا استخدام التعريفات الجمركية كأداة ضغط سياسي على الحلفاء، وقد قوبلت هذه التصريحات بردود أوروبية رافضة، حيث شدد قادة الاتحاد الأوروبي على أن أي مساس بوضع جرينلاند يُعد انتهاكًا مباشرًا لسيادة مملكة الدنمارك، ويقوض أسس الثقة والشراكة التي يقوم عليها حلف شمال الأطلسي.
ينطلق هذا التقدير من مقاربة تحليلية تسعى إلى تفكيك السياق الجيوسياسي للأزمة ودلالاتها الاستراتيجية، مع التركيز على تأثيراتها المحتملة على تماسك حلف الناتو ومستقبل العلاقات الأمريكية–الأوروبية، كما يستشرف التقدير مآلات الأزمة في ضوء تنامي خطاب “الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية” باعتباره أحد المسارات التكيفية داخل الاتحاد الأوروبي، في مواجهة ما يُنظر إليه كتحولات بنيوية في السلوك الأمريكي تجاه الحلفاء، وإعادة صياغة أنماط الاعتماد المتبادل داخل المنظومة الأطلسية.
أولاً: السياق الاستراتيجي للأزمة
1- الأهمية الجيوستراتيجية لجزيرة جرينلاند: تقع الجزيرة في موقع فريد عند تقاطع المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي، وتخضع سياسيًا لسيادة مملكة الدنمارك، كما تُعد أكبر جزيرة في العالم من حيث المساحة، ولا يُعد الاهتمام الأمريكي بالجزيرة تطورًا طارئًا، إذ يعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما عرضت الولايات المتحدة عام 1946 شراء جرينلاند مقابل 100 مليون دولار ذهبًا، نظرًا لدورها الحيوي آنذاك في شبكات التزود العسكري والإنذار المبكر، غير أن الدنمارك رفضت هذا العرض، كما تتمتع جرينلاند بأهمية جيوستراتيجية متزايدة، يمكن تلخيصها في عدة اعتبارات رئيسية:
- موقع محوري في منظومات الدفاع الصاروخي: تُعد الجزيرة نقطة متقدمة لمراقبة مسارات الصواريخ العابرة للقارات المحتملة عبر القطب الشمالي، بما يتيح إمكانية نشر رادارات إنذار مبكر ومنصات دفاع صاروخي، ضمن أي تصور أمريكي لتوسيع منظومات الحماية الاستراتيجية، بما في ذلك مشروع “القبة الذهبية”.
- ثروات طبيعية ذات قيمة استراتيجية: تحتوي جرينلاند على احتياطيات كبيرة من المعادن الأرضية النادرة، إلى جانب إمكانات واعدة في مجالات الطاقة، وهي موارد تُعد أساسية للصناعات التكنولوجية والعسكرية المتقدمة، ما يجعل الجزيرة هدفًا متزايد الأهمية في سياق التنافس الدولي على سلاسل الإمداد الحيوية.
- منصة متقدمة للنفوذ العسكري الأمريكي في القطب الشمالي: تستضيف الجزيرة قاعدة بيتوفيك الفضائية (ثول سابقًا)، التي يديرها الجيش الأمريكي بموجب اتفاقية دفاع موقعة مع الدنمارك عام 1951، بما يتيح لواشنطن تشغيل منظومات رادارية ومنشآت عسكرية متقدمة، دون الحاجة القانونية أو السياسية إلى ضم الجزيرة أو تغيير وضعها السيادي.
2- «القبة الذهبية» ومبررات واشنطن: روج الرئيس الأمريكي ترامب لفكرة أن نجاح مشروع “القبة الذهبية” — بوصفه نظامًا دفاعيًا متكاملًا يستهدف اعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والأسلحة الفرط صوتية — يتطلب سيطرة مباشرة للولايات المتحدة على جزيرة جرينلاند، معلنًا عزمه بناء “أعظم قبة ذهبية في العالم” فوق أراضيها، غير أن عددًا من المحللين الاستراتيجيين شككوا في هذه المبررات، معتبرين أن ربط المشروع بضم الجزيرة يُعد توظيفًا سياسيًا للأبعاد الأمنية، إذ إن البنية التحتية العسكرية القائمة بالفعل في قاعدة بيتوفيك كافية، من الناحية التقنية، لدعم أي توسع في أنظمة الرصد أو الدفاع الصاروخي، كما يرون أن إضافة منصات جديدة في جرينلاند لن تُحدث تحولًا جوهريًا في فعالية المنظومة الدفاعية الأمريكية، مقارنة بالتكلفة السياسية والاستراتيجية المترتبة على المساس بسيادة دولة حليفة.
3- تحول الفضاء القطبي إلى ساحة تنافس دولي: تنظر واشنطن إلى جرينلاند باعتبارها عنصرًا محوريًا في معادلة التنافس المتصاعد في القطب الشمالي، حيث ترى أن تعزيز حضورها في الجزيرة يحد من فرص التمدد الصيني والروسي، ويُعزز قدرتها على مراقبة الممرات البحرية القطبية الناشئة، التي تكتسب أهمية متزايدة في ظل ذوبان الجليد وتغير المناخ، إلا أن مشروع ضم جرينلاند يتقاطع في الوقت ذاته مع طموحات أوروبية متنامية لبناء “استقلالية استراتيجية” في مجالات الأمن والدفاع والاقتصاد، وهو ما عبرت عنه قيادة الاتحاد الأوروبي بوضوح خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حين أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أن التحولات الجيوسياسية الراهنة تمثل فرصة لإعادة صياغة الدور الأوروبي، مشددة على أن التغيرات في النظام الدولي تفرض على أوروبا تطوير أدواتها الاستراتيجية وتقليص اعتمادها المفرط على الشريك الأمريكي.
ثانياً: التصعيد الأمريكي وردود الفعل الأوروبية والأطلسية
1- استخدام واشنطن أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي: في سياق تصعيدي متدرج، لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في يناير 2026، بفرض تعريفات جمركية بنسبة 10% على واردات سبع دول أوروبية، على أن يبدأ تطبيقها مطلع فبراير، مع التهديد برفعها إلى 25% بحلول يونيو من العام نفسه، في حال عدم توصل المفاوضات إلى ما وصفه بـ«شراء كامل لجرينلاند»، وجاء هذا التهديد مصحوبًا بإعادة نشر خرائط وتصورات جغرافية تُظهر ضم الجزيرة إلى الأراضي الأمريكية، في خطوة عمقت مستوى التوتر داخل المعسكر الغربي، وقد دفعت هذه التحركات مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى اعتبار السلوك الأمريكي تهديدًا مباشرًا للنظام التجاري الدولي القائم على القواعد، وليس مجرد خلاف ثنائي حول إقليم بعينه. وفي هذا الإطار، شرع الاتحاد في بحث تفعيل «آلية مكافحة الإكراه»، بوصفها أداة دفاعية تهدف إلى التصدي لاستخدام الضغوط الاقتصادية كسلاح سياسي ضد الدول الأعضاء.
2- مواقف القادة الأوروبيين:
- إجماع وتنسيق أوروبي: تأكيد الدول الأوروبية، في بيان مشترك صدر في 6 يناير 2026، أن مستقبل جزيرة جرينلاند يحدده سكانها وحدهم، وأن قضايا أمن القطب الشمالي يجب أن تُدار ضمن إطار جماعي يضمن الاستقرار الإقليمي، كما شدد البيان على أن التنسيق داخل حلف شمال الأطلسي يظل ركيزة أساسية للأمن الأوروبي، وأن مبدأ السيادة غير قابل للمساومة أو المقايضة.
- دعوات لمواجهة اقتصادية موحدة: دعوة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى تفعيل أدوات الضغط التجاري المتاحة للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك تقييد وصول بعض الشركات الأمريكية إلى السوق الأوروبية، معتبرًا أن الرد على الضغوط الأمريكية يجب أن يكون جماعيًا ومنسقًا، وأن يشكل خطوة عملية لتعزيز مسار الاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد.
- موقف بريطاني متحفظ: اتخاذ المملكة المتحدة موقفًا أقل حدة، إذ اعتبر رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” أن فرض رسوم جمركية على دول حليفة بسبب رفضها محاولة ضم جرينلاند يُعد إجراءً خاطئًا ويقوض منطق الشراكة داخل الناتو، مؤكدًا في الوقت ذاته أن مستقبل الجزيرة يظل جزءًا من السيادة الدنماركية ويقرره شعبها.
- تحذير دانماركي مباشر: تحذير رئيسة الوزراء الدنماركية “ميته فريدريكسن” من أن أي تحرك أمريكي عدائي تجاه دولة عضو في حلف شمال الأطلسي من شأنه أن يؤدي إلى تقويض الحلف ذاته، ويُسرع من تآكل النظام الأمني الدولي القائم على التحالفات والتفاهمات متعددة الأطراف.
- تصاعد خطاب الاستقلالية الأوروبية: تأكيد رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين”، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي، على ضرورة تبني رد أوروبي موحد، محذرة من أن الانزلاق إلى دوامة تصعيد غير منضبط لن يخدم سوى خصوم الغرب، وأكدت أن الرد الأوروبي سيكون «صلبًا، موحدًا ومتناسقًا»، مشيرة إلى أن بناء الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية لا يُعد رد فعل ظرفيًا على أزمة جرينلاند، بل يمثل ضرورة فرضتها التحولات الجارية في النظام الدولي.
3- التحركات الميدانية: على الصعيد الميداني، أطلقت الدنمارك، بدعم من عدد من الدول الأوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا والسويد، مناورة عسكرية أُطلق عليها اسم «التحمل القطبي»، تمثلت في إرسال وحدات عسكرية إلى جرينلاند منتصف يناير 2026، وهدفت هذه الخطوة إلى توجيه رسالة ردع واضحة مفادها أن أي اعتداء على الجزيرة سيُعد اعتداء على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، بما يترتب عليه تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف، ويُنظر إلى هذا الانتشار العسكري بوصفه «قوة شَرَك» محسوبة، تهدف إلى رفع كلفة أي مغامرة عسكرية محتملة، والتأكيد على أن المساس بأمن جرينلاند سيستدعي ردًا جماعيًا، وليس مواجهة ثنائية محدودة.
ثالثاً: التأثيرات المحتملة على حلف شمال الأطلسي والعلاقات عبر الأطلسي
- تآكل القيادة الأمريكية داخل المنظومة الغربية: لا تُعد أزمة جرينلاند اختبارًا لقدرة واشنطن على فرض إرادتها فحسب، بل تُلامس جوهر موقعها القيادي داخل المعسكر الغربي، فالانتقال من دور “الضامن” إلى دور “الضاغط” باستخدام أدوات الإكراه الاقتصادي ضد حلفاء يفترض أنهم شركاء استراتيجيون، يضعف منسوب الثقة في استدامة الالتزامات الأمريكية، وتكمن خطورة ذلك في أن شرعية القيادة الأمريكية داخل التحالفات لم تُبنَ تاريخيًا على التفوق المادي وحده، بل على القدرة على إنتاج توافق وإدارته. ومع تراجع منطق التوافق لصالح منطق المقايضة والضغط، تتآكل قدرة الولايات المتحدة على تعبئة الحلفاء في أزمات كبرى، ويزداد احتمال تباين الاستجابات الأوروبية في ملفات (الردع، العقوبات، إدارة الأزمات)، بما يراكم حالة من التسيب الاستراتيجي داخل النظام الأطلسي.
- تفكك الثقة الردعية وتحول الناتو إلى إطار قابل للمقايضة: أظهرت الأزمة كيف يمكن لخلط الالتزامات الأمنية بمعايير تجارية أو تفاوضية أن يُضعف المصداقية الردعية للحلف، فحين تُربط الضمانات الأمنية — ضمنيًا أو صراحة — بمستوى الإنفاق الدفاعي أو بمكاسب اقتصادية، يتحول الناتو تدريجيًا من تحالف قائم على الالتزام المسبق إلى إطار مشروط قابل لإعادة التفاوض، وهذا التحول لا يُضعف الحلف فقط من الداخل، بل يبعث برسالة خارجية مفادها أن الالتزام الجماعي ليس ثابتًا، بل قابل للتعديل وفق الحسابات السياسية الداخلية في واشنطن. وفي بيئة دولية تقوم على اختبار نقاط الضعف، يرفع ذلك احتمال مبادرات “رمادية” من الخصوم عبر تصعيد دون عتبة الحرب، أو ضغط هجيني، أو استفزازات محدودة تهدف لاختبار مدى جاهزية الحلف للرد الجماعي.
- مكاسب غير مباشرة لروسيا والصين عبر تعميق الانقسام الغربي: حتى دون تحركات روسية أو صينية مباشرة، تمنح الأزمة منافسي الغرب مكاسب استراتيجية بآلية “الاستنزاف الذاتي”؛ فكل تصدع داخل الناتو يخفف الضغط الخارجي على الخصوم، ويشتت أولويات الغرب، ويقوض سردية التماسك التي تُعد أحد عناصر الردع السياسي، كما أن انشغال الحلف بخلاف داخلي حول السيادة وأدوات الإكراه الاقتصادي يضعف قدرته على الحفاظ على وحدة الموقف في ملفات أخرى (أوكرانيا، العقوبات، أمن الطاقة، سلاسل الإمداد)، ويخلق مساحات أوسع للمناورة الدبلوماسية والاستثمار في الانقسامات. وفي هذا السياق، تصبح استراتيجية الخصوم أقل اعتمادًا على المواجهة الصلبة وأكثر ميلًا إلى إدارة الزمن والتباين الداخلي لصالحهم.
- تسريع عسكرة القطب الشمالي وإعادة ترتيب الجبهات الاستراتيجية: أحد أخطر مخرجات الأزمة هو تسريع انتقال القطب الشمالي من فضاء منخفض التوتر إلى مسرح تنافس عسكري منظم، فالحديث عن منظومات دفاع صاروخي، وانتشار قوات، وتسييس خطوط الملاحة القطبية، كلها مؤشرات على صعود القطب الشمالي كجبهة استراتيجية موازية لشرق أوروبا وغرب المحيط الهادئ، ويؤدي هذا التحول إلى إعادة ترتيب الموارد والأولويات العسكرية للدول الكبرى، وفتح مسار سباق تسلح جديد يرتبط بالرصد والإنذار المبكر والحرب الإلكترونية وإدارة المجال البحري، بما يرفع احتمالات سوء التقدير أو الاحتكاك غير المقصود، خاصة في بيئة جغرافية معقدة تشهد تغيرات مناخية توسع من فرص الملاحة والاستكشاف والتنافس على الموارد.
- سابقة “الإكراه داخل التحالف” وتآكل قواعد إدارة الخلاف بين الحلفاء: تخلق الأزمة سابقة في طريقة إدارة الخلافات داخل التحالفات الغربية عبر تطبيع استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي بين الحلفاء، وهو تحول نوعي، ومع ترسخ هذا النموذج، تفقد التحالفات إحدى أهم خصائصها وهى القدرة على احتواء التباينات دون تحويلها إلى أزمة ثقة، كما يؤدي ذلك إلى إضعاف الانضباط المؤسسي، وفتح الباب أمام سلوكيات مماثلة من أطراف أخرى داخل التحالفات، بما يُنتج مع مرور الوقت تفككًا وظيفيًا عبر استمرار الشكل المؤسسي للحلف، مع تراجع فعاليته السياسية وقدرته على اتخاذ قرارات موحدة في الأزمات.
- تعميق الفجوة بين أوروبا السياسية وأوروبا الأمنية: تُبرز الأزمة التناقض داخل المشروع الأوروبي، خطاب متنامٍ حول الاستقلالية والسيادة الاستراتيجية، مقابل واقع أمني لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على المظلة الأمريكية، وهذا التباين يضع أوروبا أمام خيارات صعبة، فإما أن تتجه إلى تسريع التكامل الدفاعي والاستثمار في الصناعات العسكرية والقدرات التشغيلية المستقلة، أو أن تستمر في حالة الاعتماد المتوتر على واشنطن، مع محاولة موازنة ذلك بشراكات اقتصادية وتجارية بديلة. وفي الحالتين، تزداد كلفة الانتقال، سياسيًا عبر الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، وماليًا عبر الإنفاق الدفاعي، ومؤسسيًا عبر إعادة تعريف العلاقة بين الناتو والأطر الدفاعية الأوروبية.
- إعادة تعريف السيادة داخل التحالفات الغربية: أعادت أزمة جرينلاند تثبيت مفهوم السيادة داخل التحالفات بوصفه خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه تحت مظلة الأمن الجماعي، فالتشديد الأوروبي على أن مستقبل جرينلاند يحدده سكانها وأن السيادة ليست محل مقايضة يعكس تحولا في الحساسية الأوروبية تجاه أي ممارسات تُفهم باعتبارها انتقاصًا من الشرعية الوطنية، ويشير ذلك إلى أن التحالفات الغربية تتجه تدريجيًا نحو نمط أكثر مراعاة للحدود الوطنية ولمعادلات الرأي العام والشرعية الداخلية. ومن ثم، قد يصبح اتخاذ القرار داخل الناتو أكثر تعقيدًا وأبطأ، لكنه في الوقت نفسه أكثر ارتباطًا بحدود القدرة السياسية لكل دولة على الالتزام.
رابعاً: السيناريوهات المتوقعة لتطور أزمة جرينلاند
السيناريو الأول: التصعيد وفرض الأمر الواقع (السيناريو الأكثر ترجيحًا)
يمثل هذا السيناريو المسار الأكثر احتمالًا لتطور الأزمة، حيث يُتوقع أن تمضي الولايات المتحدة في نهج تصعيدي تدريجي يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض دون الإقدام على إعلان ضم قانوني مباشر لجزيرة جرينلاند، ويرتكز هذا المسار على توسيع الوجود العسكري الأمريكي وتعزيز السيطرة الفعلية على البنية الأمنية للجزيرة، إلى جانب الاستخدام المتكرر لأدوات الضغط الاقتصادي والسياسي لإجبار الدنمارك وشركائها الأوروبيين على القبول بالأمر الواقع، ويستند ترجيح هذا السيناريو إلى نمط سلوك أمريكي متكرر قائم على اختبار حدود التحالفات وتوظيف الإكراه الاقتصادي كأداة تفاوضية، فضلًا عن إدراك واشنطن أن ردود الفعل الأوروبية، رغم حدتها الخطابية، ستظل محكومة باعتبارات الحفاظ على تماسك حلف شمال الأطلسي وتجنب القطيعة الاستراتيجية الشاملة، ومن شأن هذا المسار أن يؤدي إلى إضعاف التماسك السياسي داخل الناتو دون تفككه رسميًا، وتسريع مسار الاستقلالية الدفاعية الأوروبية كرد فعل وقائي، فضلًا عن رفع مستوى عسكرة القطب الشمالي وفتح نافذة فرص استراتيجية أمام روسيا والصين لاستثمار الانقسام الأطلسي دون الانخراط في مواجهة مباشرة.
السيناريو الثاني: الاحتواء والتسوية التفاوضية (سيناريو محتمل)
يفترض هذا السيناريو اتجاه الأطراف المعنية إلى احتواء الأزمة عبر مسار تفاوضي يهدف إلى خفض التصعيد دون معالجة جذرية لأسباب الخلاف. ووفقًا لهذا المسار، قد تتراجع الولايات المتحدة عن خطاب الضم المباشر مقابل ترتيبات تمنحها وجودًا عسكريًا واقتصاديًا موسعًا في جزيرة جرينلاند، مع الإبقاء على السيادة الدنماركية الشكلية، بما يسمح لجميع الأطراف بإعلان تحقيق مكاسب سياسية متفاوتة، ويستمد هذا السيناريو احتماليته من إدراك الأطراف المعنية للكلفة المرتفعة للتصعيد المفتوح، ومن مصلحة الناتو المؤسسية في احتواء الخلافات الداخلية والحفاظ على صورته كإطار للأمن الجماعي. غير أن هذا المسار، رغم قدرته على تهدئة التوتر مرحليًا، لا يُعيد بناء الثقة داخل العلاقات عبر الأطلسي، بل يكرس نمط إدارة الأزمات بدل حلها، ويُبقي أوروبا في حالة اعتماد مستمر على الضمانات الأمنية الأمريكية، مع استمرار القطب الشمالي كساحة تنافس مُدار لا مفتوح.
السيناريو الثالث: الجمود الاستراتيجي وتآكل الثقة (سيناريو ضعيف)
يقوم هذا السيناريو على استمرار الأزمة في حالة من الجمود الاستراتيجي دون حسم واضح، حيث يستمر الخطاب التصعيدي الأمريكي دون ترجمة عملية حاسمة، مقابل موقف أوروبي رافض لكنه حذر من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، ويؤدي هذا الوضع إلى إدارة الخلاف عبر الرسائل السياسية، مع تأجيل القرارات المصيرية، وانشغال الأطراف بملفات دولية أخرى، بما يسمح بتآكل تدريجي في مستوى التنسيق عبر الأطلسي، وتكمن محدودية هذا السيناريو في صعوبة استدامته، نظرًا لتراكم الكلفة السياسية وفقدان المصداقية المتبادلة، إلا أن تحققه سيؤدي إلى تراجع بطيء في فاعلية الناتو، وإضعاف قدرته على اتخاذ قرارات جماعية في ملفات استراتيجية أخرى، وترسيخ منطق التحالف المرن القائم على إدارة الخلافات بدل الالتزام الصلب.
خامساً: النتائج الاستراتيجية
تكشف أزمة جرينلاند، في مجملها، عن جملة من النتائج الاستراتيجية التي تتجاوز حدود الخلاف حول جزيرة بعينها، لتطال بنية التحالفات الغربية، ومنطق الأمن الجماعي، وحدود القيادة الأمريكية في مرحلة تشهد تحولات عميقة في النظام الدولي. وفي هذا السياق، تبرز الأزمة باعتبارها لحظة اختبار حقيقية لصلابة حلف شمال الأطلسي وقدرته على التكيف مع التغيرات السياسية داخل الدول الكبرى، دون فقدان جوهره الردعي ووظيفته الاستراتيجية.
أولاً، تُظهر الأزمة أن التزامات حلف شمال الأطلسي لم تعد بمنأى عن التقلبات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، حيث باتت المادة الخامسة عرضة لإعادة التفسير أو التوظيف السياسي، ويؤدي ربط الالتزامات الأمنية بمكاسب اقتصادية أو تفاوضية إلى تقويض مصداقية الردع الجماعي، ويفتح المجال أمام القوى المنافسة لاختبار تماسك الحلف عبر أدوات غير تقليدية.
ثانياً، أسهمت الأزمة في تعزيز الخطاب الأوروبي الداعي إلى الاستقلالية الاستراتيجية، باعتباره مسارًا متناميًا في دوائر صنع القرار، فقد بات الاعتماد المفرط على الضمانات الأمريكية يُنظر إليه كمخاطرة طويلة الأمد، ما يدفع الاتحاد الأوروبي إلى تنويع شراكاته الاقتصادية وتطوير قدراته الدفاعية والصناعية، دون السعي إلى القطيعة مع إطار الناتو.
ثالثاً، أبرزت الأزمة الحاجة إلى إعادة تفعيل الحوار المؤسسي داخل الناتو لمنع تحول الخلافات السياسية إلى أزمات ثقة بنيوية، ويتطلب ذلك تعزيز آليات التشاور الاستراتيجي، وفصل الملفات الأمنية عن الخلافات التجارية، مع ضمان مشاركة الدنمارك وسلطات جرينلاند في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالأمن والدفاع الصاروخي احترامًا للسيادة.
رابعاً، تشير الأزمة أن أي تآكل في التماسك الأطلسي سيُنتج تداعيات تتجاوز الإطار الأوروبي–الأمريكي، ويمنح روسيا والصين فرصًا لتوسيع نفوذهما في القطب الشمالي. وفي ظل بيئة دولية متغيرة، يصبح الانقسام الغربي مكسبًا استراتيجيًا للخصوم، ما يستدعي تبني مقاربة غربية موحدة للحفاظ على الاستقرار ومنع فراغ أمني في المنطقة القطبية.
خامساً، تكشف الأزمة عن تحول في طبيعة الردع داخل التحالفات الغربية، من ردع قائم على الالتزام المسبق إلى ردع مشروط بالحسابات السياسية الداخلية، ويؤدي تراجع وضوح خطوط الالتزام إلى إضعاف الردع الوقائي، ودفع الحلفاء نحو سلوكيات أكثر تحفظًا أو استقلالية، بما يقلل من قدرة الناتو على المبادرة الاستراتيجية.
سادساً، تُسهم الأزمة في إعادة ترتيب أولويات الأمن الأوروبي، حيث يتقدم هاجس موثوقية الحليف على التهديدات التقليدية الخارجية، وينعكس ذلك في توجه أوروبي متزايد للاستثمار في القدرات السيادية، مثل الاستخبارات والصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، بهدف تقليص الاعتماد على المظلة الأمريكية.
سابعاً، تطرح الأزمة إشكالية متنامية تتعلق بتأثير الرأي العام داخل الديمقراطيات الغربية على مسارات التحالفات، إذ يعكس تصاعد خطاب السيادة والاستقلالية ضغوطًا داخلية متزايدة ترفض منطق الإملاء أو المقايضة، ما يرفع الكلفة السياسية لأي تنازلات مستقبلية داخل الناتو ويحد من قابليتها للاستدامة.
ثامناً، تُبرز أزمة جرينلاند تداخل الفضاءين الأوروبي والقطبي، حيث بات القطب الشمالي امتدادًا مباشرًا للأمن الأوروبي، ويعني ذلك أن أي اختلال في التوازن أو تصعيد في المنطقة سينعكس على أمن شمال أوروبا وسلاسل الإمداد والطاقة والملاحة، ما يفرض إدماج البعد القطبي في صلب التخطيط الاستراتيجي الأوروبي والأطلسي.




