شهد منتصف نوفمبر 2025 تصعيدًا حادًا في التوتر بين الصين واليابان بسبب نزاعهما المستمر حول حول جزر سينكاكو (وفق التسمية اليابانية) أو دياويو (وفق التسمية الصينية) الواقعة في بحر الصين الشرقي، ففي 16 نوفمبر أرسلت الصين أسطولًا من سفن خفر السواحل للقيام بدوريات داخل مياه الجزر التي تُديرها اليابان، في خطوة اعتُبرت تحديًا مباشرًا لسيادة طوكيو، وترافق هذا التحرك مع أجواء محتقنة نشأت بعد تصريحات لرئيسة الوزراء اليابانية «ساناي تاكايتشي» في 7 نوفمبر، اعتبرت فيها أن أي هجوم صيني على تايوان قد يُعد «وضعًا يهدد بقاء اليابان»، ما يعني إمكانية تدخل عسكري مشترك مع الولايات المتحدة، وقد أثارت هذه التصريحات غضب بكين التي اعتبرتها تجاوزًا لـ«خط أحمر» وإخلالًا بمبدأ «الصين الواحدة».
أدت هذه التطورات إلى واحدة من أخطر الأزمات بين البلدين منذ سنوات، واتخذت أبعادًا أمنية ودبلوماسية واقتصادية، فقد تبادل الجانبان احتجاجات شديدة اللهجة، وتصاعد الخطاب العدائي، وبرزت مخاوف من تأثير الأزمة على التجارة والسياحة والعلاقات الاقتصادية المتشابكة بينهما، إضافة إلى احتمال انخراط الولايات المتحدة عسكريًا دعمًا لليابان، بما قد يحول التوتر إلى أزمة دولية أوسع. أما بالنسبة لمصر، فتأتي الأزمة في توقيت حساس نظرًا لأهمية علاقاتها الاقتصادية مع الصين واليابان، وباعتبار قناة السويس ممرًا رئيسيًا للتجارة بين آسيا وأوروبا، فإن أي اضطراب في شرق آسيا قد ينعكس على عائدات القناة وأسعار السلع في السوق المصرية، كما قد يفرض تحديات دبلوماسية على السياسة الخارجية المصرية في موازنة علاقاتها مع القوى الكبرى.
أولاً: خلفية التصعيد الراهن
1- الشرارة المباشرة للأزمة: تايوان وتغير الموقف الياباني
جاء التصعيد الصيني–الياباني في نوفمبر 2025 مرتبطًا بتحول في موقف طوكيو تجاه احتمال نشوب أزمة في مضيق تايوان، ففي 7 نوفمبر أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة – خلال جلسة برلمانية – أن أي لجوء صيني للقوة ضد تايوان، بما في ذلك الحصار البحري، قد يُعد «وضعًا يهدد بقاء اليابان»، بما يتيح لطوكيو استخدام القوة في إطار «الدفاع الذاتي الجماعي» وفق تشريعات 2015، ومثل هذا التصريح خروجًا واضحًا عن سياسة الغموض السابقة، ما اعتبرته بكين استفزازًا وتجاوزًا لخط أحمر يتعلق بمبدأ «الصين الواحدة». وفي 8 نوفمبر، فجر القنصل الصيني في أوساكا أزمة كلامية غير مسبوقة بعد نشره تهديدًا مباشرًا ضد تاكايتشي، قبل حذف المنشور عقب احتجاج اليابان التي استدعت السفير الصيني، وفي 12 نوفمبر تمسكت تاكايتشي بموقفها أمام البرلمان، معتبرة أنه ينسجم مع السياسة الدفاعية لبلادها.
وردت الصين بحملة دبلوماسية واسعة؛ فهاجم وزير الخارجية «وانغ يي» التصريحات اليابانية واعتبرها «صادمة»، كما استدعت بكين السفير الياباني في 13 نوفمبر لأول مرة منذ أكثر من عامين لتقديم احتجاج شديد اللهجة والمطالبة بتراجع رسمي، في المقابل رفضت طوكيو هذه المطالب ونددت بالتهديدات الصينية. وفي 22 نوفمبر، صعدت الصين المسار الدولي عبر رسالة وجهها مندوبها لدى الأمم المتحدة «فو تسونغ»، أكد فيها أن أي تدخل عسكري ياباني في سيناريو تايوان سيعد «عدوانًا»، وأن الصين ستستخدم حقها في الدفاع عن النفس، فيما ردت اليابان برسالة مقابلة وصفت فيها الاتهامات بأنها «لا أساس لها»، مؤكدة الطابع الدفاعي لسياستها.
2- التحركات الميدانية الصينية حول جزر سينكاكو/دياويو
وسط التصعيد الدبلوماسي المرتبط بتايوان، لجأت الصين إلى إظهار القوة عبر جزر سينكاكو/دياويو المتنازع عليها، ففي 16 نوفمبر 2025 أعلن خفر السواحل الصينية تنفيذ «دورية إنفاذ حقوق» داخل المياه الإقليمية للجزر، حيث اخترقت أربع سفن صينية المنطقة الخاضعة للسيطرة اليابانية قبل أن تقوم سفن خفر السواحل الياباني بمطاردتها وإخراجها، ومثل هذا الاختراق أحد أخطر التوغلات الصينية في السنوات الأخيرة، بعدما كانت بكين تكتفي عادة بالدوريات في المناطق المحيطة دون دخول المياه الإقليمية.
وتزامن ذلك مع مناورات بحرية صينية بالذخيرة الحية في البحر الأصفر بين 17 و19 نوفمبر، اعتُبرت جزءًا من حملة الضغط على اليابان وحلفائها، كما انتقدت تايوان هذه الأنشطة وربطتها بأجواء التصعيد قبل الانتخابات التايوانية، وأثار هذا التحرك حالة استنفار يابانية؛ إذ رفعت قوات الدفاع الذاتي مستوى التأهب قرب أوكيناوا، وكثفت طوكيو دورياتها الجوية والبحرية، بالتنسيق مع مراقبة أمريكية لصيقة بحكم التحالف الدفاعي، كما عم القلق السكان في الجزر الجنوبية اليابانية خشية حدوث احتكاك عسكري، فيما نقلت وسائل الإعلام اليابانية مشاهد لانتشار مكثف لخفر السواحل خلال تلك الفترة.
3- الإجراءات العقابية الصينية في مجالي الاقتصاد والتبادل الشعبي
إلى جانب التصعيد العسكري والدبلوماسي، استخدمت الصين أدوات الضغط الاقتصادي والشعبي لمعاقبة اليابان ودفعها للتراجع، وتمثلت أبرز الإجراءات في:
-
حظر واردات المأكولات البحرية اليابانية: في 19 نوفمبر أعلنت الصين تعليق استيراد جميع المأكولات البحرية اليابانية، مبررة قرارها بمخاوف «الفحص الإشعاعي» رغم أن الدافع الحقيقي كان سياسيًا، ويُعد القرار ضربة كبيرة لقطاع الصيد الياباني، إذ كانت الصين أكبر مستورد لهذه المنتجات، خصوصًا الإسكالوب والقنافذ البحرية، وجاء الحظر في وقت كانت الشركات اليابانية تستعد لاستئناف التصدير إلى الصين، ما كبدها خسائر فورية.
-
تشجيع مقاطعة السفر إلى اليابان: أصدرت الصين وهونج كونج وماكاو إرشادات تدعو مواطنيها لتجنب السفر إلى اليابان، ما أدى إلى إلغاء نحو نصف مليون حجز خلال أيام، كما أتاحت شركات الطيران الصينية استرداد التذاكر مجانًا، وتداولت تقارير توجيهات غير رسمية للموظفين الحكوميين بعدم السفر، مما شكل ضربة قوية لقطاع السياحة الياباني الذي يعتمد على الزوار الصينيين ويُسهم بنحو 7% من الناتج المحلي، وانعكس ذلك على الأسواق بهبوط أسهم شركات الطيران ومتاجر التجزئة.
-
تأثيرات على التبادل الثقافي والشعبي: امتد التوتر إلى الثقافة والتبادل الشعبي؛ فقد تم تأجيل منتدى بكين–طوكيو للحوار، وإلغاء زيارات تبادلية لمدن متوأمة، وتأخير إطلاق أفلام يابانية في الصين، وتأجيل تحديث لعبة فيديو صينية ذات محتوى ياباني، وأظهر ذلك أن الأزمة تجاوزت السياسة والاقتصاد إلى التأثير في المناخ الاجتماعي بين الشعبين.
4- الموقف الياباني ومحاولات التهدئة
على الرغم من الغضب الصيني، تمسكت حكومة تاكايتشي بموقفها وواصلت التأكيد أن تصريحاتها بشأن تايوان تقع في إطار السياسة الدفاعية القائمة، وأن اليابان لا تسعى لتغيير الوضع الراهن، ووصف كبار المسؤولين اليابانيين الإجراءات الصينية – مثل تحذيرات السفر – بأنها «مؤسفة» ولا تخدم بناء علاقات استراتيجية مستقرة. وسعت طوكيو إلى احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية؛ إذ أوفدت وزارة الخارجية «ماساكي كاناي» إلى بكين في 17 نوفمبر للتباحث مع نظيره الصيني وشرح أن سياسة اليابان الدفاعية لم تتغير، ولحث بكين على تجنب مزيد من التصعيد، لكن الجانب الصيني أصر على مطالبته اليابان بالتراجع العلني عن تصريحات تاكايتشي، ما أدى إلى فتور واضح في المحادثات. كما رفضت بكين عقد لقاء ثنائي بين رئيسي وزراء البلدين خلال قمة مجموعة العشرين في جنوب إفريقيا، واستمرت وسائل الإعلام الصينية الرسمية في حملة انتقاد واسعة لما وصفته بـ«النزعة العسكرية اليابانية»، ورغم ذلك تحدثت تقارير عن اتصالات أمريكية غير معلنة لحث الطرفين على ضبط النفس ومنع تفاقم الأزمة.
ثانياً: أبعاد الصراع الحالية
1- البعد الأمني والتوترات العسكرية
أخذ التصعيد بين الصين واليابان أبعادًا أمنية خطيرة، نظرًا لارتباطه بملف تايوان وتحالف طوكيو العسكري مع الولايات المتحدة، ويمكن تلخيص ملامح البعد الأمني في النقاط التالية:
-
استعراض القوة الصينية: استخدمت الصين أدوات ضغط ميدانية واضحة، شملت مناورات بحرية في البحر الأصفر، وتكثيف التحركات الجوية حول تايوان، والتوغل بسفن خفر السواحل داخل مياه جزر سينكاكو، وقد أرادت بكين بهذه الخطوات إرسال رسالة مفادها أن تدخل اليابان في ملف تايوان «خط أحمر»، وأنها مستعدة للتصعيد دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.
-
حالة التأهب اليابانية–الأمريكية: رفعت اليابان مستوى الاستعداد العسكري في الجنوب وكثفت الدوريات البحرية والجوية حول سينكاكو، فيما عززت الولايات المتحدة إجراءات الردع عبر طلعات استطلاع وتدريبات مشتركة، مؤكدة أن الجزر مشمولة بمعاهدة الدفاع المشترك، وعكس هذا التنسيق رغبة واشنطن–طوكيو في منع بكين من فرض أمر واقع جديد.
-
تصاعد الخطاب والتهديدات: ارتفع مستوى الخطاب العدائي؛ إذ حذرت الصين من «هزيمة ساحقة» لأي تدخل ياباني بشأن تايوان، واستحضرت ذاكرة الحرب العالمية الثانية، أما اليابان فتمسكت بنبرة دفاعية هادئة، لكنها واجهت ضغوطًا قومية داخلية للمزيد من التشدد وطرد الدبلوماسي الصيني المسيء.
-
مخاطر سوء التقدير والحوادث الميدانية: تزايدت احتمالات الاحتكاك غير المقصود في ظل كثافة الوجود العسكري في منطقة ضيقة، وقد ظهر ذلك في حادث ديسمبر 2025 عندما وجهت مقاتلات صينية رادارات تسليحية نحو طائرات F-15 يابانية قرب مضيق مياكو، ما اعتبرته طوكيو استفزازًا خطيرًا، وتزداد خطورة مثل هذه الحوادث بسبب غياب قنوات اتصال عسكرية فعالة بين البلدين، وهو ما يرفع احتمال الانتقال من حادث تكتيكي إلى صدام استراتيجي غير مقصود.
2- البعد الاقتصادي وتداعيات الحرب التجارية المحدودة
يتوازى التصعيد الأمني مع ضغوط اقتصادية تمارسها الصين على اليابان، مستفيدة من حجم سوقها وقوة تأثيرها التجاري، وقد برزت ملامح هذا المسار في عدة محاور:
-
أثر العقوبات التجارية الصينية: أعادت الصين فرض حظر شامل على المأكولات البحرية اليابانية، ما شكل ضربة قوية لقطاع الصيد، خصوصًا في هوكايدو وأوموري، حيث يعتمد المصدرون على السوق الصينية التي تستحوذ على أكثر من 20% من صادراتهم، وجاءت الخطوة في وقت كانت الشركات اليابانية تأمل في استعادة نشاطها بعد تخفيف بكين قيودًا سابقة، ما زاد من وطأة الخسائر.
-
ضرب قطاع السياحة الياباني: أدت دعوات الصين لمواطنيها بعدم السفر إلى اليابان إلى إلغاء نحو نصف مليون حجز خلال أسابيع، ما ألحق ضررًا واسعًا بقطاع يعتمد على إنفاق السائح الصيني المرتفع، وتخشى طوكيو أن تؤدي الحملة الإعلامية الصينية إلى تراجع طويل الأمد في تدفقات السياحة حتى بعد انتهاء الأزمة.
-
كلفة الإجراءات على الصين: رغم امتلاك الصين اليد العليا اقتصاديًا، فإن إجراءاتها ليست بلا ثمن؛ إذ يربك حظر المأكولات البحرية سلاسل توريد المطاعم والمتاجر، وقد يؤدي إلى ارتفاع مؤقت في الأسعار، كما تتضرر شركات السياحة الصينية من وقف الرحلات إلى اليابان، ومع ذلك، تراهن بكين على استعداد الشعب لتحمل هذه التكلفة دعمًا للموقف الوطني.
-
تشابك اقتصادي يحد من التصعيد: لا يمكن إغفال التشابك العميق بين الاقتصادين الصيني والياباني، إذ تُعد الصين أكبر شريك تجاري لليابان، فيما تعتمد الصين على واردات ضخمة من المعدات اليابانية، ولذلك تجنبت بكين استهداف القطاعات الصناعية الثقيلة، مفضلة إبقاء المواجهة ضمن «حرب تجارية محدودة» ذات كلفة مدروسة للطرفين.
-
التأثيرات على الأسواق العالمية: امتدت آثار الأزمة إلى الأسواق العالمية؛ فقد تأرجحت بورصات طوكيو وبكين، وتراجع الين بسبب مخاوف التصعيد العسكري، كما أثار التوتر احتمال اضطراب سلاسل التوريد الآسيوية—خاصة في قطاع أشباه الموصلات—فيما زادت المخاوف على خطوط شحن النفط والغاز في بحر الصين الشرقي، ما أسهم في ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا بفعل «علاوة المخاطر الجيوسياسية».
ثالثاً: التأثيرات الإقليمية والدولية للأزمة
أحدثت الأزمة الراهنة ارتدادات واسعة في شرق آسيا وأثارت مخاوف دولية من توسع التصعيد، ويمكن تلخيص أبرز هذه التأثيرات فيما يلي:
1- التأثيرات الإقليمية (على شرق آسيا وجوارها)
-
تصاعد التوتر في مضيق تايوان وجنوب اليابان: وضعت الأزمة تايوان في قلب المواجهة، مع تزايد التحركات العسكرية الصينية قرب الجزيرة، ورد «تايبيه» بتعزيز دفاعاتها، كما تعمق التنسيق الأمني غير المعلن بين تايوان واليابان والولايات المتحدة، في مؤشر على توحيد جبهة مواجهة الضغوط الصينية.
-
قلق في كوريا الجنوبية وتخوفات في جنوب شرق آسيا: تابعت كوريا الجنوبية التطورات بحذر، داعية إلى تهدئة تخدم الاستقرار الإقليمي، خصوصًا في ظل اعتمادها الاقتصادي والأمني على استقرار شرق آسيا، أما دول آسيان فاعتبرت الأزمة مثالًا خطيرًا على مخاطر المنافسة بين القوى الكبرى، وحذرت من أي تصعيد قد يمتد إلى بحر الصين الجنوبي ويؤثر على الممرات التجارية الحيوية.
-
دور الولايات المتحدة وتصاعد الاستقطاب الاستراتيجي: عززت واشنطن دعمها لطوكيو، معتبرة التحركات الصينية تهديدًا للاستقرار الإقليمي، ونسقت مواقفها مع حلفائها في الإندو–باسيفيك، في المقابل رأت بكين أن اليابان تتحرك بدفع أمريكي، واستثمرت الأزمة لتوسيع تعاونها مع روسيا، في مشهد يعكس ملامح «اصطفاف» استراتيجي جديد في آسيا.
-
تأثيرات على ملفات إقليمية أخرى: صرفت الأزمة الانتباه عن قضايا إقليمية مهمة، مثل جهود تحسين العلاقات اليابانية–الكورية، وتعامل المنطقة مع برنامج كوريا الشمالية النووي، إذ قد تستغل بيونج يانج الانشغال للتصعيد، كما قد تتحول اجتماعات التعاون الإقليمي إلى ساحات للتجاذب بدلًا من التركيز على قضايا التنمية والتكامل.
2- التأثيرات الدولية (على النظام العالمي والاقتصاد العالمي)
-
اختبار للنظام الدولي والقانون الدولي: سلطت الأزمة الضوء على انقسام عميق في تفسير مبادئ السيادة وعدم التدخل، فالصين تتهم اليابان بانتهاك مبدأ «الصين الواحدة»، بينما ترى طوكيو وحلفاؤها أن تهديد الصين لتايوان يقوض النظام الدولي القائم على القواعد، وعكس لجوء بكين إلى الأمم المتحدة رغبتها في تأمين غطاء دولي، لكنه أعاد إنتاج الاستقطاب التقليدي بين محور صيني–روسي ومحور غربي–ياباني، مع محدودية قدرة مجلس الأمن على التحرك بفعل الفيتو الصيني.
-
تداعيات على الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد: تسببت الأزمة في زيادة تقلبات الأسواق وارتفاع مستوى المخاطر، ويعتمد الاقتصاد العالمي بشكل كبير على شرق آسيا؛ فتعطل التجارة بين الصين واليابان—ولو جزئيًا—قد يؤدي إلى اضطراب كبير في سلاسل التوريد، خاصة في الإلكترونيات والسيارات، كما أن أي توتر بحري في شرق آسيا سينعكس على التجارة العابرة لقناة السويس التي تمر عبرها 12–15% من التجارة العالمية ونحو 30% من حركة الحاويات عالميًا، ويفاقم ذلك مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة إذا تعطلت إمدادات النفط والغاز المتجهة لليابان وكوريا الجنوبية.
-
تباطؤ النمو العالمي واحتمالات الركود: اندلاع أي مواجهة واسعة في شرق آسيا ستكون ضربة كبيرة للنمو العالمي، نظرًا لحجم الاقتصادين الصيني والياباني، حتى في غياب الحرب فإن استمرار الحرب الاقتصادية قد يدفع الطرفين نحو «فك الارتباط» في سلاسل التوريد، بما يعيد رسم خرائط التجارة ويزيد كلفة الإنتاج عالميًا، وقد يؤدي أي ضغوط مالية على اليابان إلى اهتزاز الأسواق، خاصة مع احتمال لجوئها لاستخدام جزء من احتياطاتها المالية الضخمة.
-
تأثيرات جيوسياسية واسعة: الأزمة تُعد اختبارًا مباشرًا لالتزام الولايات المتحدة بحماية اليابان، تراجع واشنطن سيُقرأ كعلامة ضعف في النظام الدولي، فيما قد يدفع دعمها الصلب لطوكيو الصين وروسيا لمزيد من التنسيق ضمن محور مضاد للغرب، كما قد تجد الدول الأخرى نفسها مضطرة لاتخاذ مواقف أكثر وضوحًا إذا اتسع الاستقطاب العالمي، وتزيد الأزمة من صعوبة التعاون الدولي في ملفات كبرى مثل المناخ والأمن الغذائي وضبط التسلح، نظرًا لارتفاع منسوب الخصومة بين القوى الكبرى.
رابعاً: التأثيرات المحتملة على مصر
رغم بُعد الأزمة جغرافيًا، فإن تشابك اقتصاد مصر مع شرق آسيا ودورها كممر تجاري عالمي يجعلها عُرضة لتأثيرات مباشرة وغير مباشرة، ويمكن تلخيص أبرز التأثيرات فيما يلي:
1- التأثيرات الاقتصادية
-
تأثير الاضطراب في التجارة الآسيوية على قناة السويس: يشكل أي تباطؤ في الاقتصادين الصيني والياباني أو اضطراب في خطوط الشحن بشرق آسيا تهديدًا مباشرًا لحركة قناة السويس، فقد يؤدي تراجع الصادرات والواردات الآسيوية، أو إعادة توجيه السفن لتجنب مناطق الخطر، إلى انخفاض في مرور السفن وحمولاتها، كما حدث خلال أزمة البحر الأحمر عندما تراجعت إيرادات القناة بنسبة 40–50% في مطلع 2024، ويعني ذلك احتمالا لتراجع إيرادات القناة وارتفاع تكاليف الشحن وازدياد الضغوط التضخمية على مصر.
-
تأثير الأزمة على الاستثمارات الصينية واليابانية في مصر: ترتبط مصر بمشاريع واسعة مع الصين (البنية التحتية، المنطقة الاقتصادية، الطاقة الخضراء) ومع اليابان (مترو القاهرة، الجامعة المصرية–اليابانية، الكهرباء)، وقد يؤدي أي اضطراب في شرق آسيا إلى إبطاء تنفيذ المشاريع أو تقليص خطط التوسع والاستثمار.
-
ارتدادات عبر الأسواق المالية وسلاسل الإمداد: قد تسهم أي صدمة عالمية في خروج استثمارات أجنبية من الأسواق الناشئة، ما يضغط على الجنيه المصري ويزيد تكلفة التمويل، كما أن اضطراب واردات الإلكترونيات ومعدات المصانع ومكونات السيارات من الصين واليابان وكوريا قد يضر بخطوط الإنتاج المحلية ويرفع أسعار السلع.
2- التأثيرات الأمنية والسياسية
-
اختبار لسياسة عدم الانحياز المصرية: تربط مصر علاقات وثيقة بكل من الصين واليابان والولايات المتحدة، ما يجعلها في موقف حساس إذا احتدمت الأزمة، ولذا يُرجح أن تلتزم القاهرة الحياد الإيجابي والدعوة للتهدئة، مع تجنب الانحياز العلني لأي طرف، غير أن ضغوط التصويت في الأمم المتحدة والاستحقاقات الإعلامية قد تتطلب صياغة دبلوماسية دقيقة لموقف مصر.
-
حماية الجالية المصرية والمصالح الوطنية في شرق آسيا: أي تصعيد كبير قد يستدعي تحديث خطط الإجلاء وتأمين المصريين المقيمين في الصين واليابان، إلى جانب دعم الشركات المصرية المتعاملة تجاريًا مع شرق آسيا، وفي الوقت نفسه قد تستفيد مصر من تقديم نفسها كوجهة بديلة لفعاليات اقتصادية قد تتأثر بالتوتر الآسيوي.
-
التحولات في أولويات القوى الكبرى تجاه الشرق الأوسط: قد يؤدي انشغال الولايات المتحدة بالصراع في شرق آسيا إلى إعادة توزيع الاهتمام والموارد، ما قد ينعكس إيجابًا عبر تخفيف الضغوط، أو سلبيًا عبر تراجع المساعدات والمبادرات، كما قد تُبطئ الصين وتيرة مشاريعها الاستثمارية والإقليمية إذا تصاعدت الضغوط عليها، أما اليابان فقد تعيد ترتيب أولوياتها الخارجية على حساب حضورها في الشرق الأوسط، وفي المقابل قد تسعى دول الخليج لتعزيز دورها الأمني في الممرات البحرية – مثل البحر الأحمر – وهو تطور يتعين على مصر مراقبته لما له من تأثير مباشر على أمنها البحري.
خامساً: السيناريوهات المتوقعة لتطور الصراع
-
استمرار التوتر دون مواجهة عسكرية مباشرة (الأكثر ترجيحًا): يبقى الصراع في إطار «التصعيد المحسوب» دون حرب، حيث تواصل الصين ضغوطها البحرية والاقتصادية والإعلامية، بينما تلتزم اليابان بردع دفاعي مدعوم أمريكيًا دون انزلاق إلى مواجهة، وتستمر الحوادث المحدودة لكن تُحتوى سريعًا، ويتشكل وضع إقليمي يتعايش مع توتر طويل الأمد دون انفجار. ويدعم ترجيح هذا السيناريو إدراكُ كلا الطرفين أن خيار الحرب مكلف جدًا ولا يخدم أهدافهما الفعلية، فالصين تريد ثني اليابان عن مساندة تايوان وكبح انخراطها الأمني، وليس خوض حرب شاملة معها، واليابان من جهتها معنية بردع الصين والحفاظ على هيبتها الإقليمية، لكنها لا تسعى لفتح جبهة قتال ستكون كارثية على اقتصادها وأمنها.
-
تهدئة تدريجية عبر تفاهمات دبلوماسية (محتمل): وفق هذا السيناريو الأكثر تفاؤلًا، تنجح الجهود الدبلوماسية – سواء الثنائية بين بكين وطوكيو أو عبر وساطة أطراف ثالثة – في احتواء الأزمة بشكل تدريجي وتخفيف التوتر القائم، ما يؤدي إلى خطوات متبادلة لتهدئة الأجواء مثلاً: قد توافق اليابان بشكل غير علني على ضبط تصريحات مسؤوليها المستقبلية بشأن تايوان والعودة لقدر من الغموض الاستراتيجي، وفي المقابل تعمد الصين إلى وقف خطواتها الاستفزازية حول الجزر ورفع قيودها الاقتصادية تدريجيًا، ورغم صعوبة تحقق هذا السيناريو بسبب الضغوط الداخلية في البلدين، فإنه يظل ممكنًا على المدى القصير.
-
تصعيد عسكري شامل (الأقل ترجيحًا): تتدهور الأزمة فجأة إلى صدام مسلح بسبب حادث غير محسوب أو خطوة صينية تجاه تايوان تدفع اليابان والولايات المتحدة إلى التدخل، ويتسبب النزاع في شلل التجارة العالمية، وارتفاع قياسي في أسعار الطاقة، واضطراب سياسي واقتصادي واسع، لا شك أن هذا السيناريو ضئيل الاحتمال لأن كافة الأطراف تدرك مخاطره الهائلة بيد أنه غير مستحيل كليًا في حال ساءت الحسابات، إن اندلاع حرب كهذه سيؤدي حتمًا إلى شلل الاقتصاد العالمي، وربما انهيار مؤقت للنظام التجاري الحالي، ناهيك عن الأخطار النووية القائمة في ظل وجود قوى نووية كالولايات المتحدة.
سادساً: مسارات التحرك لمصر لتجنب التأثيرات السلبية
نظرًا للمخاطر المحتملة سالفة الذكر، يتحتم على مصر التحرك بحذر واستباقية لحماية مصالحها وتعزيز مناعتها ضد تداعيات هذا النزاع، وفيما يلي حزمة من المقترحات والتوصيات التي يمكن لصانع القرار المصري النظر فيها:
-
الالتزام بالحياد الإيجابي وتجنب الانحياز: تكريس مصر لسياسة عدم الانحياز في هذه الأزمة، عبر الامتناع عن الانحياز لأي طرف بشكل قد يُفهم أنه ضد الطرف الآخر، وفي الوقت نفسه يمكن لمصر لعب دور الحياد الإيجابي بأن تدعو علنًا إلى ضبط النفس والحوار واحترام قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مثل تأكيد موقفها الثابت من وحدة الأراضي الصينية بما يشمل تايوان، بالتوازي مع الدعوة إلى حل سلمي، سيضمن هذا النهج حفاظ مصر على علاقات ودية مع الصين واليابان والولايات المتحدة معًا، ويجنبها أي ارتدادات سياسية أو اقتصادية سلبية نتيجة استعداء طرف كبير، لقد استفادت مصر تاريخيًا من سياسة التوازن في علاقاتها الكبرى – كما في علاقتها بكل من روسيا وأمريكا في أزمات أخرى – وينبغي الاستمرار على هذا النهج في الأزمة الحالية حماية لمصالحها الوطنية.
-
تعزيز تأمين وقدرة الممرات البحرية المصرية: على ضوء احتمال اضطراب خطوط الملاحة العالمية، تتأكد ضرورة رفع كفاءة الممرات الاستراتيجية المصرية وفي مقدمتها قناة السويس، ويُوصى بتسريع تنفيذ مشروعات تطوير خدمات العبور في القناة، مثل تعميق المجرى وتوسعة المناطق المزدوجة لضمان قدرة استقبال المزيد من السفن عند الحاجة، كذلك ينبغي تعزيز الإجراءات الأمنية على طول مجرى القناة والبحر الأحمر لحماية السفن المارة وطمأنة شركات الشحن (خاصة مع تزايد المخاطر عالميًا)، ويمكن لمصر أيضًا دراسة تخفيضات وحوافز رسوم العبور لفترات محددة إذا اقتضت المنافسة مع طرق بديلة أو ارتفاع تكاليف التأمين للشركات، وذلك للحفاظ على جاذبية القناة كممر رئيسي حتى في أوقات الأزمات، وبشكل عام يظل الهدف هو إبقاء قناة السويس الخيار الأمثل والأكثر أمانًا لحركة التجارة، مما يقلل احتمال تراجع عائداتها حتى لو اضطراب جزء من التجارة الآسيوية.
-
تنويع الشراكات التجارية وتقليل الاعتماد المفرط: أكدت الأزمة الحالية أهمية ألا تعتمد مصر في تجارتها الخارجية أو سلاسل إمدادها على منطقة جغرافية واحدة بشكل كبير، لذا يُنصح بأن تكثف مصر جهود تنويع مصادر الواردات، وخاصة للسلع الاستراتيجية (المواد الخام، مستلزمات الإنتاج) بحيث لا تتأثر بشكل حاد إذا تعطل المصدر الآسيوي، ويمكن البحث عن موردين بديلين في أوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا لبعض السلع التي تأتي حاليًا من شرق آسيا، وعلى صعيد الصادرات قد تستفيد مصر من الفرص البديلة إذا أُغلقت أبواب في سوق ما بسبب الأزمة؛ فمثلًا، لو قلصت الصين وارداتها من اليابان في مجال معين، ربما تستطيع مصر زيادة حصتها في السوق الصيني لذلك المنتج، والعكس صحيح، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع الجميع، كذلك من المهم مواصلة العمل على تعزيز العلاقات التجارية مع دول محورية صاعدة مثل الهند – التي قد تحل جزئيًا محل الصين في سلاسل التوريد العالمية إذا استمرت التوترات – وكذلك مع تركيا ودول أوروبا، لخلق توازن في الشراكات يخفف من وطأة أي ضغط أو انقطاع يأتي من الشرق الأقصى.
-
تعزيز التعاون مع الشركاء الآسيويين على أسس ثنائية مرنة: رغم الأزمة، يجب ألا تنكفئ مصر عن تقوية تعاونها مع دول شرق آسيا، بل ربما العكس؛ فمن المفيد استثمار توازن علاقاتها للعب دور جسر للتواصل، يمكن لمصر تنظيم ملتقيات اقتصادية (افتراضية أو مباشرة) مع رجال الأعمال والمستثمرين من الصين واليابان وكوريا لبحث فرص جديدة، وإبراز أنها بيئة مستقرة للاستثمارات حتى في ظل عدم اليقين العالمي، وقد يتردد بعض المستثمرين الآسيويين في ضخ أموال في بلدان متأثرة بالصراع، وهنا تستطيع مصر تقديم نفسها كخيار آمن بفضل استقرارها الداخلي وموقعها الاستراتيجي واتفاقياتها التجارية المتعددة، كذلك يجدر بالجهات المصرية المعنية (كسفاراتنا في بكين وطوكيو) طمأنة الشركاء الحاليين بأن مصر تحترم التزاماتها وترحب باستمرار التعاون بغض النظر عن التوترات العالمية، وهذا سيُظهر لمستثمرين مثل الشركات الصينية العاملة في مصر، والوكالة اليابانية JICA، أن مشاريعهم في مأمن من تداعيات صراع الشرق الأقصى.
-
مراقبة الأسواق ووضع خطط طوارئ اقتصادية: على المؤسسات المالية والاقتصادية المصرية متابعة التطورات في شرق آسيا عن كثب لتقدير انعكاساتها السعرية والتموينية محليًا، فمثلًا إذا لوحظ ارتفاع أسعار النفط بسبب المناورات أو العقوبات، ينبغي التحرك بتحوطات كزيادة عقود التحوط أو تعزيز الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، وإذا ظهرت بوادر نقص في سلعة مستوردة، يبادر جهاز التجارة إلى تأمين مخزون كاف من أسواق أخرى قبل اشتداد الأزمة، كذلك يفضل أن تضع الحكومة سيناريوهات طوارئ للتعامل مع احتمالات مختلفة: سيناريو طويل للتوتر المزمن وما يعنيه من تباطؤ محتمل في النمو العالمي، وسيناريو أسوأ لحرب شاملة وكيف سيتم تدبير الاحتياجات الحيوية في ظله (رغم ضعفه، إلا أن التخطيط له أفضل من المفاجأة)، فمثل هذا التفكير الاستباقي سيحصن الاقتصاد المصري ضد التقلبات المفاجئة ويجنب المواطنين تقلب الأسعار أو نقص السلع.
-
استمرار دور مصر الفاعل في حركة عدم الانحياز والتعاون جنوب–جنوب: قد تستفيد مصر دبلوماسيًا من إحياء دورها التقليدي في قيادة موقف دولي مستقل عن المحاور، فمع تصاعد التنافس الأمريكي–الصيني عالميًا، والذي تجسد في هذه الأزمة، يبرز دور حركة عدم الانحياز ومنظمة التضامن الآسيوي الأفريقي في إعطاء صوت للدول النامية الساعية إلى السلام، ويمكن لمصر، عبر عضويتها النشطة في المنظمات الإقليمية والدولية، أن تدفع ببيانات أو مبادرات تُركز على تجنيب الدول النامية ويلات صراع الكبار، والمطالبة بضمان حرية الملاحة والتجارة بعيدًا عن الصراعات العسكرية، مثل هذا التحرك سيُرسخ صورة مصر كدولة مسؤولة دوليًا ويُعزز مكانتها القيادية بين دول الجنوب.
No Result
View All Result